ذ.عبد القادر الفرساوي
عندما تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق شخصيات ثقيلة كالجبال، يهلل البعض ويصفق وكأن العدالة أخيرًا استيقظت من سباتها العميق. تلمع عناوين الأخبار، وتتهافت التحليلات من المحللين السياسيين الذين يتقنون صناعة الكلام كما يتقن الطهاة وصفاتهم. لكن خلف كل هذا الضجيج، تقبع الحقيقة عارية، لا تحتاج إلى قاضٍ ولا مدعٍ عام لتفضحها: إنها مسرحية أخرى على خشبة السياسة الدولية، حيث يتم تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية.
يجلس القضاة في لاهاي، محكمة بنكهة القهوة الباردة، بوجوه جامدة كأنها التقطت للتو من منحوتة قديمة. يرتدون أرديتهم السوداء وكأنهم على وشك إلقاء تعويذة سحرية تنهي عذابات العالم. يعلنون عن مذكرات اعتقال بحق نتنياهو، وغالانت، وأصوات مطارقهم تضج في الإعلام كأنما ينطلق زلزال العدالة. لكن، ما خلف الكواليس؟ ملفات تُفتح لتُغلق، وقرارات تُعلن لتُنسى، وأوهام تُزرع في قلوب الشعوب المستضعفة.
في فلسطين، صوت يصرخ، حيث ينام الأطفال على صوت القصف ويستيقظون على صدى الجوع، تمر هذه الأخبار كنسمة باردة في صحراء ملتهبة. لا أحد في المخيمات و لا من المبعدين و لا من النازحين و لا من المحتجزين يصدق أن مذكرة اعتقال ستعيد لهم أرضا اغتصبت، أو تنقذهم من حبل المشنقة اليومية. يُنظر إلى هذه المحكمة كأنها ضيف ثقيل لا يعرف كيف يقدم الاعتذار. الشعوب العربية التي تغرق في بحر من الخيبات، تستمع إلى الأخبار وكأنها تستمع إلى قصة خرافية في كتاب أطفال.
القانون الدولي: لعبة الأقوياء
ما إن تصدر المحكمة الجنائية قرارا كهذا حتى تبدأ المكائن الإعلامية في الدوران. تصريحات تُصاغ، ومواقف تُفبرك، وبين هذا وذاك تتبخر الحقيقة. كم مذكرة اعتقال صدرت سابقا؟ وكم منها نفذ؟.
لنتوقف لحظة ونسأل: ما الهدف من هذه المذكرات؟ هل هي محاولة لتصحيح مسار التاريخ؟ أم أنها مجرد أدوات لإثارة انتباه الجماهير المرهقة؟ تمر الأشهر والسنين، والأمل في العدالة يتحول إلى قطعة مثلجات في يد طفل، تذوب قبل أن يتذوقه. الشعب الفلسطيني يذبح، يُقتل، يُجوع، ويُهجر، بينما العالم يقف متفرجا، يتحدث عن الإنسانية وكأنها معرض لوحات جميلة في مدينة بعيدة.
خشبة المسرح مكشوفة
العدالة الدولية، أو هكذا يسميها البعض، انها خشبة مسرح مكشوفة، أو أنها لم تعد سوى ممثلة سيئة الأداء على خشبة مسرح متهالك. تطلق كلماتها الرنانة في الهواء، لكنها لا تملك القوة لتحريك حجر واحد في جدار الظلم. ومع ذلك، ما زالت الشعوب العربية تصفق، ليس إيمانًا بصدق المسرحية، بل سخرية من أدوارها الهزلية.
ربما يوما ما، حين يسدل الستار عن هذا المسرح المفضوح، سنكتشف جميعًا أن العدالة الحقيقية لم تكن يوما على خشبة المحكمة، بل في قلوب الشعوب التي لم تفقد إيمانها بالحرية.





