ذ.عبد القادر الفرساوي
في ذلك اليوم، كانت طنجة تستيقظ على صوت الموج المتهالك على صخورها، كأن البحر نفسه ينذر بشيء مريب. الشمس بالكاد أشرقت، تحجبها غيوم كثيفة تليق بمأساة قادمة. الأزقة، التي طالما كانت شاهدة على خطوات التلاميذ المهرولين نحو مدارسهم، امتلأت فجأة بصمتٍ ثقيل. كأن المدينة احتبست أنفاسها انتظارا لما سيحدث.
في حي الدرادب، حيث البيوت المتلاصقة كأنها تشد بعضها لتبقى صامدة أمام الإهمال، لم يكن هناك ما يوحي بأن الحياة ستُنتزع من جسد شابٍ في السادسة عشرة من عمره. عماد، فتى يحمل في عينيه حلمًا بسيطا بالنجاة من قسوة الواقع، وقف في ذلك الزقاق الضيق. كان المكان مكتظا بالأصدقاء والأعداء على حد سواء، و القبعة السوداء التي أثارت كل هذا الصراع ملقاة على الأرض، كأنها تسخر من عبثيتهم.

صرخ أحدهم، واندلعت المواجهة. ارتفعت الأيدي وضاعت الكلمات وسط صخبهم، حتى استقر السكين في يد المشتبه فيه. في لحظة واحدة، اخترقت الطعنة فخذ عماد، لكن الألم تجاوز الجسد ليخترق قلب المدينة بأكملها. دماؤه امتزجت مع غبار الشارع، وصراخه تلاشى بين عويل الأصدقاء وارتباك المتفرجين.
حين جاءت سيارة الإسعاف، كان جسده ممددا بلا حراك، وحين وصلت إلى المستشفى، كان عماد قد رحل. قبعة “غوتشي اللعينة”، التي كانت رمزا للصراع، صارت الآن شاهدا صامتا على حياة أُخذت بلا شفقة و لا رحمة.
لكن طنجة لم تكن قد شبعت من دماء ذلك اليوم. في ثانوية الحسن الثاني، حكاية أخرى و سكين آخر، كانت ساحة المدرسة تعج بالحياة كعادتها. الأصوات العالية، الضحكات، والهمسات المتبادلة، كلها اختفت فجأة عندما شهرت تلميذة سكينا في وجه زميلها.
كيف لفتاة، بالكاد تعيش ربيعها السابع عشر، أن تتحول إلى قاتلة محتملة؟ لم يكن أحد يملك إجابة، لكن الجواب كان حاضرا في يدها المرتجفة وهي تغرس السكين في جسد زميلها. أصوات الرعب اخترقت أجواء المدرسة، والتلاميذ تحولوا إلى شهود عاجزين على لحظة تجسد فيها العنف بكل قسوته.
الأحياء الشعبية في طنجة، مثل الدرادب والدزايري، ليست مجرد أماكن؛ إنها حكايات عن كرامة مسحوقة وأحلام مقهورة. هنا، تُنسج الحياة بخيوط الفقر، ويكبر الأطفال في شوارع تعلمهم القسوة قبل أن تعلّمهم الحروف.
في هذه الأزقة الضيقة، حيث البيوت تحبس الأنفاس برطوبتها، وحيث يختلط صوت الباعة المتجولين بصراخ الأطفال، لا تجد حياة تسير كما يجب. السكاكين ليست مجرد أدوات مطبخ، بل لغةٌ يفهمها الجميع. إنها وسيلة للحسم، للحماية، وللانتقام، حتى وإن كان ثمنها حياة.
أمام مدرسة “عمر بن عبد العزيز”، وقف زملاء عماد صامتين، وقفة في وجه الغضب، يحملون لافتات كتب عليها: “لا للعنف”، و”نريد أمانا لمدارسنا”. كانت أصواتهم تحمل غضبا أكثر مما تحمل الكلمات. لم يكن الحزن وحده ما يغمرهم، بل الخوف أيضا. الخوف من أن يكون أحدهم التالي، أو أن تنسى المدينة دماء عماد سريعا، كما تنسى كل شيء.
السلطات قبضت على ستة أشخاص، بينهم قاصرون وشخص راشد، ووضعتهم تحت الحراسة النظرية. التحقيقات بدأت، وربما يُلقى باللوم على الفقر، أو على سوء التربية، أو حتى على القدر. لكن الحقيقة واحدة: هناك شبابٌ يُقتلون في عزّ أحلامهم، لأن المجتمع تركهم يواجهون مصيرهم بلا حماية.
طنجة، المدينة التي طالما كانت قبلةً للباحثين عن الجمال والدهشة، تحولت إلى مسرحٍ مفتوح للمآسي. هنا، تحت سماءٍ رمادية، تُكتب الحكايات بالدم، وتُدفن الأحلام بسكين.
يبقى السؤال معلقا: هل ستتغير طنجة؟ هل ستتحول قبعة “غوتشي” إلى رمزٍ لشيء آخر غير الموت؟ أم أننا سنظل نحكي قصصاً مشابهة عن شبابٍ ضائعين في زوايا المدن المظلمة؟
طنجة لا تجيب، لكنها تستمر في العيش، رغم كل شيء.





