معركة “القصير الثانية”: الحرب على خطوط إمداد المقاومة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

إدريس عدار

 

 

أعتقد أن ما يجري في سوريا هو المعركة الكبرى في سياق مشروع الشرق الأوسط بالمعنى الذي طرحه نتينياهو في الأمم المتحدة. معركة حول خطوط إمداد المقاومة. يراه البعض حق لأبناء سوريا في تقرير مصيرهم. وخرجت من مطابخ الدوائر القائمة على التنفيذ أي الأدوات الوظيفية في المنطقة شعارات تم تقاسمها بشكل كبير من قبيل معركة “ردع العدوان”، التي أطلقت على الهجوم على حل وحماه، صنو لـ”طوفان الأقصى”، لهذا يبقى موقف حماس ضروريا.
من يراها ثورة ليسمح لنا ببعض الأسئلة: آلاف “الثوار” مسلحين وهناك من يتكلف بتدريبهم وتسليحهم ورواتبهم وتموينهم؟ قد يستشكل علينا البعض بأن هؤلاء طُلاب حرية وقد يتحالفون مع الشيطان من أجل الوصول إلى هدفهم.

نرتب على هذا سؤالا آخرا: هل الشيطان جمعية خيرية؟ أم ستكون له شروطه؟ طبعا للشيطان شروط. الشيطان في حالتنا هو أمريكا وإسرائيل ويلعب دور “دعاة على أبواب جهنم” أردوغان. واضح هم من يمول هؤلاء. فلأي غرض؟ طبعا لحماية إسرائيل. إذا كان الأمر كذلك فلا داعي للخلط بين “طوفان الأقصى”، الذي هو قلب للمعادلة وللمشروع، الذي يستعين اليوم بـ”ردع العدوان” لتحقيق مكاسب جديدة.
لكن من يساندون “الثورة السورية” متعددة الجنسيات، لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة، ويقومون بتغليفها بمغالطات كثيرة. تستضيف قناة فرنسية المعارض السوري فراس قنطار، وتقدمه بصفتين أكاديمتين قبل أن صفة المعارض السوري، ويقدمه آخرون بالباحث فقط، وهذا التقديم جزء من المغالطة، محاولا بعد كلام إنشائي تفسير ظهور “الجولاني” كنتيجة للاستبداد. وهذه الحكاية يكررها كثيرون.

لماذا لم يظهر الجولاني في دول قمة في الاستبداد وليس فيها لا مجالس منتخبة ولا هم يحزنون والإعدامات فيها كشربة ماء؟ ولأن الجولاني صناعة فقد ظهر في سوريا التي أريد لها أن تسقط باعتبارها خط إمداد المقاومة. ولماذا لم ينتج الاستبداد معارضة وطنية وديمقراطية أي نقيضه؟ وإذا صدقنا ذلك فلماذا تساندون “الإرهابيين” الذين حتما سيفسدون في الأرض؟
أرى أن المعركة اليوم هي شبيهة بمعركة القصير في بداية الأزمة السورية. لهذا أسميها “القصير الثانية”. يعني أنه سيكون لأبناء الجنوب كلمة مهمة فيها، كما كان لهم الكلمة الفصل في المعركة الأولى. لقد خاضوا معركة إلى جانب رفاقهم من الجيش العربي السوري كانت عبارة عن ملامح كبرى أفشلت العدوان على سوريا.
حينها كانت إشكالات في دعم سوريا. حزب الله آخر من دخل سوريا، وتطلب ذلك حوالي سنتين، وتطلب الأمر تقليب النظر وفتاوى حول الدماء وغيرها. والشيء نفسه يقال عن الإيراني. ولم يدخل الروسي إلا سنة 2015. ومع ذلك صمد الجيش السوري. فكيف سيكون الأمر اليوم بعد اكتمل سلك حلفاء سوريا؟

في كل معركة قد تحدث خروقات. يبدو أنه كان هناك خرقا بشكل من الأشكال. فالرئيس الروسي عندما استقبل الأسد يوم 24 يوليوز الماضي أشار في الندوة الصحفية المشتركة إلى أمر كبير يهيأ للمنطقة. معلومات تقول إن بشار الأسد وضعه في الصورة وإمكانية الانقلاب على اتفاق أستانة. قد يتساءل البعض لماذا لم تتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ذلك؟ في إدارة المعارك يختلف الأسلوب وتختلف القدرة على التحمل، وهو ما ظهرت به القيادة السورية بعد الهجوم على حلب وحماه.
لم يتم التعامل برد الفعل الغاضب، الذي قد يكون مفعوله عكسيا. يتم التصرف عسكريا وفق منظور الاستيعاب وإعادة الانتشار والتموضع تم الهجوم العكسي فيما بعد. لا يمكن أن يعتقد أحد أن هناك تهاون من قبل حلفاء سوريا، لكن الرؤية والترتيبات قد تكون ساهمت في الخرق الذي وقع.

ففيما يتعلق بمحور المقاومة تعتبر سوريا قطب الرحى فيه. خط الإمداد تصنيعا وتمريرا. إسقاط سوريا يعني نهاية الإمداد. وهذا أمر لا يمكن أن يسمح به أحد في المحور مهما كلف الثمن. كما أن سقوط سوريا يعني انهيار العراق واحتراق المنطقة. ومن حيث الحلفاء الدوليين فإن سقوط سوريا بالنسبة لروسيا يعني انتصار المشروع الأمريكي وتقهقر روسيا.
من كل ما سبق وبعد استيعاب الضربات القوية التي تتالت هذه الأيام لا يمكن السماح باتساع رقعة سيطرة الإرهابيين، وستكون حمص هي معركة “القصير الثانية”، وعندها ينكسر المشروع الذي أراده منه الإسرائيلي قطع خطوط الإمداد عن المقاومة ويحاول التركي استغلاله (رغم أنه أداة وظيفية) لتحقيق مكاسب سياسية في المنطقة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...