إدريس عدار
لا يخفى على المتتبع أن ما جرى في سوريا هو مخطط تم برعاية أمريكية تركية إسرائيلية، حتى لو أن أطراف العملية يحاولون إخفاء تورطهم في ذلك.
ومن المضحك أن الولايات المتحدة الأمريكية راعية مشروع “الثورة السورية”، باعتراف هيلاري كلينتون، وزير الخارجية الأمريكية السابقة، وجاسم بن حمد، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق، تحاول أن تظهر أنها بعيدة عن الحكاية بالإبقاء على هيئة تحرير الشام وزعيمها أبو محمد الجولاني على قوائم الإرهاب. وقد مر الجولاني من صالون الحلاقة الأمريكي قبل الوصول إلى دمشق، ولكن القضية فيها من جهة تبييض وجه أسود وكذلك مزيدا من التحكم والابتزاز.
والمذهل أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، أكد أن المكافأة التي تبلغ 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد إدارة العمليات العسكرية في سوريا، أحمد الشرع المعروف بـ”أبو محمد الجولاني”، لا تزال سارية، وأشار ميلر إلى أن الموظفين الحكوميين الأميركيين غير مؤهلين للتقدم للحصول على تلك المكافأة.
مسرحية كاملة الأركان بديكور وسيناريو ومخرجين وممثلين، يتم من خلالها تقاسم الأدوار بشكل كبير. وليست المرة الأولى التي تزعم فيها واشنطن ألا علاقة لها ببعض الجماعات فيخرج بعد حين مسؤولون أمريكيون ليؤكدوا أنهم هم صنعها، وأحيانا يقع التصادم بينهما مثلما وقع مع تنظيم القاعدة، وعند الحاجة يتم إعادة العلاقة.
كل المؤشرات تدل على أن المشروع أمريكي من الألف إلى الياء، لعب فيه رجل طيب أردوغان دورا مهما، على خلفية أطماع تاريخية كبيرة.
لكن أردوغان عندما وجد نفسه محرجا أمام جماعات “الإخوان المسلمين” و”الجهاديين”، التي تم تعديلها،ة انتقد الاحتلال الإسرائيلي لمناطق واسعة من سوريا. فجاءه الرد سريعا.
قال بيان لخارجية الكيان: تركيا قامت بالاعتداء على الأراضي السورية بشكل منهجي ابتداءً بعمليات عسكرية من 2016 حتى يومنا هذا.
وأضافت: تركيا أنشأت مناطق خاضعة لوكلائها، حيث تعمل مجموعات مسلحة مثل “الجيش الوطني السوري” تحت سيطرتها.
وأشارت إلى أن الجيش التركي يقصف البنية التحتية في المنطقة الشمالية الشرقية ذات الحكم الذاتي في سوريا باستخدام الطائرات والمسيّرات.
من جهة أخرى قال أبو محمد الجولاني إن موضوع الحسكة والرقة له حلان لا ثالث لهما الانسحاب او العمل العسكري.
هذا التنازع ناتج عن تنازع مصالح بين الأطراف المنتصرة في الحرب السورية. ويدخل في هذا السياق أيضا المعارك قرب عين العرب، حيث لا تريد تركيا أن ترى جنبها قوة للأكراد، بينما لا ترى أمريكا خيارا غير دعم الأكراد، وتشكل المنطقة رمزية خاصة ليس للأكراد فقط ولكن للأمريكيين وحتى الفرنسيين، الذين سيسعون للدخول من باب المفوضية الأوروبية ومن باب الإعمار.
ورغم أن اردوغان يتحدث عن تحرر الشعب السوري فإنه لا يخفي دوره وشراكته في العملية بل لا يمسك لسانه وهو يتحدث عن الأطماع التاريخية في سوريا. كما أنه يريد أن يحصل على أجره من تمكين الإرهابي الجولان من حكم سوريا عقد الأمريكي والإسرائيلي حيث صرح قائلا “إن التطورات الأخيرة في كثير من مناطق العالم عززت مكانة تركيا بوصفها دولة رئيسية وأن دخول تركيا إلى الاتحاد هدفا رئيسا!”.
التطورات الأخيرة التي حاول تعميمها لا تعدو أن تكون الهزة العنيفة التي عرفتها سوريا، التي كانت ولعقود ظهرا للمقاو/مة وظهيرا لحركة التحرير الفلسطينية واللبنانية.
قد يتساءل البعض: إن كانت واشنطن تساند قسد فكيف أوصلت الجولاني للحكم؟ وهو سؤال مهم. أمريكا ترعى مصالحها، وتستثمر في الأطراف المتصارعة، وهذا مبدأ راسخ عند الولايات المتحدة الأمريكية، وكمثال على ذلك هي المتحكم في الأطراف التي تمول النزاع في السودان.
تعمد أمريكا للاستثمار في الجميع، محاولة قدر الإمكان ألا تكون متورطة، تربح في حال النجاح وترمي المسؤولية على الأدوات الوظيفية إذا فشلت. وترامب الرئيس الأمريكي المنتخب، الذي يستلم مهامه بعد حوالي شهر من الآن، ينفخ كثيرا في أردوغان، وقال: إن هناك الكثير من الأمور غير الواضحة في سوريا، مشيراً إلى أن تركيا تملك المفاتيح في سوريا، لافتاً إلى أن لديه علاقة جيدة مع الرئيس رجب طيب أردوغان.
وأضاف في لقاء صحفي: هؤلاء الناس الذين دخلوا (يعني دمشق) يتم التحكم بهم من قبل تركيا، وهذا أمر لا بأس به، وطريقة أخرى للقتال.
وأوضح: لا أحد يعلم ماذا ستكون النتيجة النهائية فى المنطقة. لا أحد يعرف من سيحكم فى النهاية. أعتقد أنها تركيا، فتركيا ذكية جدا، وهو رجل ذكى جدا وقوى جدا. لقد قامت تركيا باستيلاء غير ودى دون إزهاق كثير من الأرواح.
يبدو من كلام ترامب أنه تفويض لأردوغان في سوريا. لكن تركيا عضو في الناتو الذي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية رأس حربته. وبقيادة ترامب لا يوجد حديث عن شركاء ولكن عن أعضاء تتم حمايتهم وينبغي أن يؤدوا ثمن ذلك بمن فيهم الدول الأوروبية المحسوبة قوية. وبالتالي لا يمكن أن نصدق أن اردوغان قاد العملية لفائدته الخالصة، لكن له طموحات كبيرة في سوريا تتجاوز النفوذ إلى الانتداب على مناطق كبيرة.
أمريكا وبطريقتها ستطلق يد أردوغان، الضامن والحامي للجولاني، وستدعم قوات سوريا الديمقراطية، وكلاهما يعمل لفائدته، بمنطق الفوضى الخلاقة. فوضى تنتج ما تحترق به بنفسها تتحكم فيها أمريكا ولا تتأثر بنتائجها السلبية. بمعنى آخر أمريكا ستدير الحرب بين باقي الأطراف حتى لا تؤدي هي ثمن اقتسامها للمسروق من سوريا.





