مظاهر تحريف الأديان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم: ذ.فرج كُندي
رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث.

 

 

 

من المظاهر التي اعترت الأديان الكتابية التي سبقت ظهور الإسلام انها تعرضت للتحريف والتزييف والتلاعب بنصوصها و بتأويلها بحسب رغبة ومصلحة أحبارها وقسسها؛ فجاء الإسلام لنسخها وتصحيح ما تم تحريفه من أحكام شرعية أنزلها الله تعالى على انبيائه عليهم السلام جميعاً و اتباعهم عبثوا بها وحرفوها عن موضعها ليشتروا بها عرض من الدنيا بأثمان قليلة؛ فجاء وصفهم في القرآن الكريم في قوله تعالى {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } فالذين هادوا هم الذين اوتوا نصيبا من الكتاب ويقصد بهم الكتابيين دون غيرهم من الديانات الغير كتابية التي هي خارج نطاق التناول هنا وليس مقام الحديث عنها.

ومظاهر التحريف التي قام بها اتباع هذه الكتب تمثلت في تحريف نصوص الكتب وما جاء فيها من احكام من خلال تحريف معاني الكلم أو تغييرها من مواضعها لتتغير أو تنقلب معانيها ودلالتها التي تتناسب مع أهواؤهم ورغباتهم وتحقق مصالحهم. قال تعالى: { : يحرفون الكلم عن مواضعه } قال الإمام ابن كثير رحمه الله : قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه أي: يتناولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل قصدا منهم وافتراء.

وقال: الإمام الرازي :رحمه الله في كيفية التحريف وجوه:

أحدها: إنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر.والثاني: أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا، بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح.

والثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي – صلى الله عليه وسلم – ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. وقال الإمام أبن القيم رحمه الله تعالى في “إغاثة اللهفان”: قد اختلف في التوراة التي بأيديهم، هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل؟ على ثلاثة أقوال:

قالت طائفة: كلها أو أكثرها مبدل، وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه والكلام: إنما وقع التبديل في التأويل.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: يحرفون: يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ولكنهم يتأولونه على غير تأويله، وهو ما اختاره الرازي أيضا.
وجاء في الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿ من الذين هادوا ﴾ أَيْ: قومٌ ﴿ يحرِّفون الكلم عن مواضعه ﴾ أَيْ: يُغيِّرون صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم وزمانه ونبوَّته في كتابهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ قولك ﴿ وعصينا ﴾ أمرك ﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أسمع ويقولون في أنفسهم: لا سمعت ﴿ وراعنا ليًّا بألسنتهم ﴾ أَيْ: ويقولون راعنا ويوجِّهونها إلى شتم محمَّد عليه السَّلام بالرُّعونة وذكرنا أنَّ هذا كان سبًّا بلُغتهم ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ مكان قولهم: سمعنا وعصينا وقالوا ﴿ واسمع وانظرنا ﴾ أَيْ: انظر إلينا بدل قولهم: راعنا ﴿ لكان خيرًا لهم ﴾ عند الله ﴿ ولكن لَعَنَهُمُ الله بكفرهم ﴾ فلذلك لا يقولون ما هو خيرٌ لهم ﴿ فلا يؤمنون إلاَّ قليلًا ﴾ أَيْ: إيمانًا قليلًا وهو قولهم: اللَّهُ ربُّنا والجنَّةُ حقٌّ والنَّارُ حقٌّ وهذا القليل ليس بشيءٍ مع كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وليس بمدحٍ لهم.

إن تحريف الكلم عن مواضعه آفة يقوم بها الادعياء والجهلة وأصحاب المنافع الدنيوية منذ وجودها الي يومنا هذا ويتخذ التحريف هذا التحريف ثلاث مظاهر:

التدخل في الوحي الإلهي بالحذف والزيادة، اتباعا للهوي أو غلواً في الدين بالتأويلات الفاسدة والتفاسير الباطلة لما ورد من نصوص الشرعية بدون برهان ولا دليل بل هو تحريف للكلم عن المعاني لأجل التحريف لأغراض متعمدة ذكرناها في بداية الحديث عن التحريف.
تعطيل العمل بطائفة من الأوامر والنواهي، تعطيل العمل ببعض الكتاب وتوارث هذا العطل من جيل إلى جيل حتى تنشأ خلوف قاصرة تظن ما أهمل قد نسخ وباد! كما حدث مع علماء قوم نوح – قبل أن يبعث – الذين جعلوا لهم تماثيل ومع مرور الزمن جاءت أجيال فعبدتهم من دون الله.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: ومن حسن حظنا – نحن المسلمين – أن كتابنا محفوظ بعناية الله، فالأصل الذي نحتكم إليه قائم دائم، ومن حسن حظنا أن الإجماع منعقد على أركان الإسلام والأجهزة الرئيسية التي تتفرع عنها شعبة وقوانينه هنا وهناك.
وهذا في اصل الدين ولكن وجدت وتوجد نوابت وإن لم تحرف النصوص لحفظ الله لها { إنا نزلنا الذكر وإنا له حافظون } ولكن حرفت معانيها و توسعت في تأويلها وإخراجها عن دلالتها ووظفتها لنيل عرض الدنيا أو رضا سلطان، و هذه الصورة
من التحريف والتزييف يجب معرفتها وفضحها والتحذير منها حتى لا تسقط الامة في هذا المستنقع الذي كفره الله و حذر الله منه ولعنه قال تعالى: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا }.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...