ذ.عبد القادر الفرساوي
في الأيام الأخيرة، وصلت التوترات حول الجمارك في سبتة و امليلية وإدارة المجال الجوي للصحراء المغربية إلى مستوى جديد. تغطية وسائل الإعلام الإسبانية، وخاصة المقال المنشور اليوم11يناير 2025 في (OK DIARIO)، تعكس وجهة نظر تركز على أحادية القرارات المغربية وعلى الضغط المزعوم على الحكومة الإسبانية. ومع ذلك، من المهم وضع هذه الوضعية في سياق أوسع يتضمن سلسلة من الاتفاقات، وتبادل المصالح، والتحديات الاستراتيجية التي لا تؤثر فقط على المغرب وإسبانيا، بل على المنطقة المغاربية بأسرها.
كان المغرب واضحا منذ البداية بشأن مصالحه في المنطقة. مسألة السيطرة على الصحراء المغربية هي مسألة تتعلق بالسيادة، والأمن، والتنمية الاقتصادية. في هذا السياق، فإن مطالب المغرب بشأن المجال الجوي للصحراء ليست نزوة أو عملا أحاديا للضغط، بل هي خطوة منطقية في عملية تهدف إلى تعزيز سيادته على المنطقة.
إن التحكم في المجال الجوي للصحراء لا يتضمن فقط تداعيات سياسية، بل أيضا اقتصادية واستراتيجية. تقع المنطقة في مفترق طرق للطرق الجوية الرئيسية التي تربط أوروبا بأمريكا اللاتينية وأجزاء أخرى من إفريقيا. كانت إسبانيا، من خلال سيطرتها على سماء الصحراء من جزر الكناري، تمارس نفوذا على المنطقة تاريخيا ينبغي أن تكون تحت ولاية المغرب. من خلال الاعتراف بمخطط الحكم الذاتي المغربي للصحراء في 2022، فإن إسبانيا قد أظهرت التزاما بمغربية الصحراء، وهو تطور دبلوماسي مهم يساهم في علاقة ثنائية أكثر توازنا ومتبادلة المنفعة.
يجب أن تُفهم المطالب المغربية للحصول على السيطرة على المجال الجوي للصحراء في هذا السياق. إنها ليست فرضا تعسفيًدا، بل هي مطالبة مشروعة بشأن أرض تعتبرها المغرب جزءا من تكاملها الإقليمي. بالإضافة إلى ذلك، فإن بناء برج المراقبة في السمارة يسلط الضوء على التزام المغرب بتعزيز بنيته التحتية الاستراتيجية في المنطقة، وهي بنية ستفيد ليس فقط البلاد، بل ستساهم أيضا في أمن وتنظيم الحركة الجوية الدولية.
أما بالنسبة للجمارك في سبتة و امليلية، فمن الضروري فهم أن المغرب لا يسعى إلى التصادم مع إسبانيا، بل إلى التعاون المتوازن الذي يحترم الحقائق السياسية على الأرض. لقد أوضحت الحكومة المغربية أنه لا يمكن أن يعمل النظام الجمركي في المدينتين المستقلتين بشكل جيد إلا إذا تم التوصل إلى سلسلة من الالتزامات المتبادلة، بما في ذلك تلك المتعلقة بإدارة المجال الجوي وحقوق السيادة على الصحراء المغربية. هذه هي المواقف المشروعة التي تستجيب للمصالح الوطنية الأساسية ولا تهدف إلى عرقلة العلاقات التجارية.
لقد أظهر المغرب مرارا استعداده للتقدم في العلاقات مع إسبانيا، لكنه أيضا أوضح أنه لن يقبل عدم الاعتراف بحقوقه في الصحراء. السياسة الخارجية للرباط متسقة مع رؤيتها لمغرب موحد وآمن، حيث تُحل النزاعات الإقليمية من خلال الحوار والاحترام المتبادل لسيادة الدول المعنية.
يجب أن نؤكد أن نهج المغرب لا يقتصر على الضغط، بل يسعى إلى إنشاء مساحة مشتركة للتعاون، حيث يمكن أن يستفيد كل من المغرب وإسبانيا من علاقة أكثر قربا واحتراما لمصالح كل منهما. بدلا من رؤية المطالب المغربية كـ “شرط” لإعادة تفعيل الجمارك، يجب اعتبارها فرصة للتقدم نحو حل أعمق وأكثر ديمومة للنزاع حول الصحراء المغربية، الذي يُعد في النهاية نقطة التوتر الأساسية في العلاقات الثنائية و نفس الوقت النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم و هو المعيار الواضح و البسيط الذي يقيس به صدق الصداقات و نجاعة الشراكات.
باختصار، لا يفعل المغرب سوى الدفاع عن حقوقه المشروعة والبحث عن حل عملي ومتوازن لوضع جيوسياسي معقد. حان الوقت لإثبات أن الاعتراف الإسباني بمغربية الصحراء يجب أن يُترجم إلى خطوات ملموسة في التعاون الثنائي، بحيث يعزز هذا الاعتراف من استقرار المنطقة وازدهارها.





