*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
وأنا أشاهد زيارة الشيخ محمد الحسن ولد الددو إلى موريتانيا، استوقفني ذلك الاستقبال الاستثنائي الذي حظي به؛ استقبالٌ يكاد يُحاكي في رمزيّته استقبال الفاتحين. حيث تعالت فيه الأناشيد: «طلع البدر علينا…»، «عرفناك شيخاً نبيلاً وخلاً صدوق النوايا…»
وهو احتفاء يعكس المكانة العلميّة والدعوية التي يحتلها الشيخ في قلوب أتباعه ومريديه، ويضاعف في الوقت نفسه حجم المسئوليّة الملقاة على عاتقه.
لم يكن الجدل الذي أثاره الشيخ محمد الحسن ولد الددو نابعًا من مجرد إبداء رأي سياسي، وإنما من مضمون ذلك الرأي، إذ اعتبر أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه لا يترتب عليه أي أثر قانوني ولا شرعي، تأسيسًا على أن الدول الكبرى لا تملك حق منح أراضي الدول أو التصرف فيها.
وهو موقف استقبلته فئات واسعة من المغاربة بكثير من الاستغراب، بالنظر إلى أن قضية الصحراء تُعد بالنسبة إليهم قضية سيادة وإجماع وطني، لا مجرد ملف سياسي قابل لتعدد المواقف.
ولعل ما يعتصر القلب ألمًا أن يصدر عن عالمٍ بهذه المكانة موقفٌ ينخرط في قضية سياسية خلافيّة، كقضية الصحراء المغربية، بدل أن ينأى بنفسه عن المزايدات السياسيّة، وأن يحافظ على الحياد الذي يليق بالعالم والداعيّة ورجل العلم، خاصة في القضايا التي تمس سيادة الدول ووجودها وأمنها واستقرارها وتنميتها وعمرانها وتثير الانقسام بين الشعوب.
وليس الاعتراض على حق الشيخ في إبداء رأيه، فذلك حق مكفول لكل أحد، وإنما على ترتيب الأولويات..!
فبلده يواجه تحديات تنمويّة واجتماعيّة كبيرة في مجالات انتشار الفقر والمجاعة والمرض والتخلف الاجتماعي والتعليم والصحة وتعزيز قيّم النظافة العامة التي ارتقى بها الإسلام إلى مرتبة الطهارة، وترسيخ الكرامة الوُجُوديّة الإنسانيّة، ومعالجة الآثار الاجتماعيّة لمخلفات الرق وما يرتبط بها من تحديات.
وهي قضايا أولى بأن تستأثر بجهد العلماء والدعاة وخطابهم، لما لها من أثر مباشر في حياة الناس ومستقبل الأوطان والتحضر والعمران.
ولا أحد ينكر المكانة العلمية للشيخ، كما لا ينكر ما عُرف به المجتمع الموريتاني من عناية بالقرآن الكريم والسنة والمتون والحفاظ على الصلاة…، غير أن قيمة العلم تبلغ ذروة أثرها حين تتحول إلى مشروع إصلاح يلامس واقع الناس، ويغرس فيهم قيّم العمل، والنظافة، والعدل، والكرامة، ويجمع الكلمة ولا يفرقها.
ويبقى السؤال معلقًا في الضمير قبل الذهن: أين يعلو مقام العالم أكثر؟ في ميادين الاصطفاف السياسي، أم على منبرٍ يسمو فوق الخصومات، فيكون صوته للإصلاح قبل السجال، ولجمع الكلمة قبل ترجيح المواقف؟
أليس الأولى بعالمٍ أكرمه الناس بمحبتهم، وأحاطوه بكل هذا التقدير، أن يجعل علمه جسرًا إلى نهضة مجتمعه، وأن يوجّه خطابه إلى ما يداوي أوجاع الناس ويخدم مصالح العباد والبلاد، بدل الانخراط في قضية تُعد بالنسبة للمغاربة قضية إجماع وطني؟
فالعلم يزداد رفعةً كلما اقترب من هموم الناس، ويزداد العالم مهابةً كلما بقي منبره أوسع من الخصومات، وأرحب من الاستقطاب، وأقرب إلى رسالة الإصلاح التي من أجلها ارتفعت مكانة العلماء في نفوس الأمم.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





