عبد القادر الفرساوي
لطالما شكل المغرب حاجزا أمنيا أمام امتداد التهديدات الإرهابية القادمة من منطقة الساحل الإفريقي، وهو ما جعله هدفا رئيسيا لتنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى. فالموقع الجيو-إستراتيجي للمملكة، الممتد بين إفريقيا وأوروبا، يجعلها نقطة ارتكاز أساسية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما يعزز مكانتها كشريك رئيسي في الحرب ضد الإرهاب، لكنه في المقابل يعرضها لمخاطر كبيرة من طرف التنظيمات المسلحة المنتشرة في الساحل.
تعكس الورقة البحثية للخبير في الدراسات الاستراتيجية و الأمنية، الشرقاوي الروداني عمق التحديات التي يواجهها المغرب، حيث تفكك أسباب استهدافه من قبل التنظيمات الإرهابية، وتبرز التفاعلات القائمة بين الجماعات المسلحة الناشطة في الساحل، خاصة الفصائل المنشقة عن “القاعدة”، وتوضح كيف تحولت المنطقة إلى مسرحٍ لصراعٍ معقد تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية مع الديناميات الإرهابية.
منشأ الإرهاب في الساحل: جذور تاريخية وبنية معقدة.
لا يمكن فهم التهديدات الإرهابية الموجهة للمغرب دون العودة إلى التاريخ الحديث لمنطقة الساحل، حيث برزت الجماعات الجهادية خلال التسعينيات كنتيجة مباشرة للحرب الأهلية الجزائرية. فقد انفصلت “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” عن “الجماعة الإسلامية المسلحة” بسبب رفضها للعنف العشوائي، وتبنت بدلا من ذلك نهجا أكثر تنظيما واستراتيجية توسعية عابرة للحدود.
أدى هذا النهج إلى تعزيز وجود الجماعة في الساحل الإفريقي، حيث استغلت هشاشة الدول وانعدام السيطرة الأمنية لبسط نفوذها. ومع اندماجها في “القاعدة”، تحول اسمها إلى “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، الذي استمر في التوسع إلى أن ظهرت جماعات جديدة أكثر تطرفا، مثل “حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”، و”المرابطون”،
و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.
لكن المتغير الحاسم تمثل في صعود “داعش” في المشرق، إذ أدى هذا إلى انقسام داخل التيار الجهادي في الساحل، مما أفضى إلى تأسيس “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” بقيادة عدنان أبو وليد الصحراوي، الذي انشق عن “المرابطون” وأعلن الولاء لـ”داعش”. وقد تبنى هذا التنظيم إستراتيجية توسعية قائمة على استهداف الدول التي تعيق تمدده، ومن ضمنها المغرب.
المغرب في مواجهة الإرهاب: إستراتيجية شاملة ونهج استباقي.
في مواجهة هذا التهديد، اعتمد المغرب سياسة أمنية استباقية قائمة على ثلاثة محاور رئيسية:
– تعزيز القدرات الأمنية والاستخباراتية: من خلال تحديث أجهزته الأمنية وتطوير منظومته الاستخباراتية لمراقبة التهديدات وتحييدها قبل تحولها إلى عمليات إرهابية.
– التعاون الدولي: حيث لعب المغرب دورا حاسما في مكافحة الإرهاب العابر للحدود عبر شراكات أمنية مع الولايات المتحدة، وأوروبا، ودول الساحل.
– مكافحة التطرف عبر الإصلاح الديني: إذ أطلق المغرب
برامج لتكوين الأئمة ونشر خطاب إسلامي معتدل، وهو ما جعله مرجعية إقليمية في هذا المجال.
وقد أسفرت هذه الجهود عن تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية منذ عام 2002، منها خلايا لها ارتباطات مباشرة بالشبكات الجهادية في الساحل. ومن أبرز العمليات الأمنية الأخيرة تلك التي نفذها المكتب المركزي للأبحاث القضائية في فبراير 2025، والتي أدت إلى تفكيك خلية إرهابية خططت لتنفيذ هجمات داخل المملكة، وكان يقودها أحد كبار مسؤولي العمليات الخارجية لتنظيم “داعش” في الساحل.
البوليساريو والإرهاب: علاقات خفية ومصالح متشابكة
من القضايا المثيرة للقلق التي تسلط الضوء عليها الدراسة، هي الروابط بين التنظيمات الإرهابية في الساحل وميليشيات جبهة البوليساريو. فقد كشفت عدة تقارير عن وجود علاقات بين بعض فصائل البوليساريو والجماعات الجهادية، حيث استفاد العديد من المقاتلين الصحراويين السابقين من الفوضى في المنطقة للانضمام إلى هذه الجماعات.
ويعتبر عدنان أبو وليد الصحراوي أحد الأمثلة على هذا الترابط، حيث كان عضوا في البوليساريو قبل أن
يتحول إلى زعيم لتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى. كما تعد معسكرات تندوف نقطة عبور رئيسية للأسلحة والمقاتلين، مستغلة ضعف الرقابة الأمنية الجزائرية.
وفي عام 2016، أظهرت محاولة ميليشيات البوليساريو تعطيل معبر الكركرات كيف يمكن استغلال هذه المناطق الرمادية من قبل الجماعات الإرهابية. فالمعبر يمثل شريانا اقتصاديا يربط المغرب بموريتانيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وعرقلته تؤدي إلى تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة.
التحديات المستقبلية: نحو إعادة تعريف الإستراتيجيات الأمنية
رغم نجاح المغرب في تحييد العديد من التهديدات، إلا أن المشهد الأمني في منطقة الساحل يزداد تعقيدا، خاصة مع انخراط جهات دولية مثل مجموعة فاغنر الروسية في المشهد الأمني، مما يضيف أبعادا جديدة للصراع.
لذلك، أصبح من الضروري تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول المنطقة، وإيجاد حلول شاملة تجمع بين الجوانب الأمنية والتنموية. وفي هذا السياق،
يلعب المغرب دورا رئيسيا في دعم جهود الاستقرار الإقليمي من خلال مبادرات مثل مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في الرباط، الذي يهدف إلى بناء قدرات أمنية في دول الساحل.
الأحداث في الساحل الإفريقي لا تتوقف، والتحولات الأمنية تفرض نفسها على المنطقة بطرق تتجاوز الحسابات التقليدية. المغرب، بموقعه الإستراتيجي والتزامه بمكافحة الإرهاب، يظل عنصرا أساسيا في المعادلة الأمنية، لكن التحديات تتزايد مع استمرار الجماعات الإرهابية في التكيف مع الظروف الميدانية واستغلال النزاعات الإقليمية لتحقيق أهدافها.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي، ليس فقط على المستوى الوطني، بل عبر شراكات إقليمية ودولية أكثر فاعلية. فالإرهاب في الساحل لم يعد مشكلة محلية، بل تحول إلى تهديد عابر للحدود، تتحكم فيه شبكات معقدة تمتد من الصحراء الكبرى إلى ضفاف المتوسط. وإزاء هذا الواقع، يظل المغرب، باستراتيجيته الشاملة ونهجه الاستباقي، أحد أبرز الفاعلين في مواجهة هذه التهديدات، مما يعزز دوره كحاجز أساسي أمام امتداد الفوضى إلى شمال إفريقيا وأوروبا.





