*وفاء الطغرائي
عبر المحطات التاريخية و التجادبات التي مر منها المغرب منذ الإستقلال ، مافتئنا ندور حول السؤال نفسه كلما تعلق الأمر بمرحلة دقيقة و كلما تعالت الأصوات المطالبة بالإصلاح و بالديمقراطية . فتجد كل من زاويته ، السياسية أو الحقوقية أو حتى الشعبية البسيطة ، يطرح السؤال حول سمة الإصلاح الذي يمكن أن يحقق ، من داخل نسق الحكم ، رهان العدالة الإجتماعية و التنمية للجميع . سؤال بمستويات مختلفة أو حتى متداخلة لكن العصب الأساسي للجواب على هذا السؤال يتمثل في تحديد طبيعة العلاقة بين نظام الحكم في المغرب و عملية الإصلاح . و حتى نكون موضوعيين وجب التذكير بأن هذه العلاقة مركبة و هي ماتجعل من هذا النظام الذي ، يقوم أساسا على مؤسسات و لوبيات و مركز قرار بمفاصل متعددة ، هو التحدي الأكبر بل و بيت القصيد و العقد الناظم لأي إصلاح ، كيفما كانت طبيعته و مراميه إذا ماتوفرت النية . و لا ضرر في التذكير أيضا ، إنطلاقا من المعطيات التاريخية و الجيوستراتيجة ، بأن المغرب كدولة عريقة تجر ورائها قرونا من التاريخ و السلالات الحاكمة ، و كبلد جعل منه موقعه الجغرافي الإستراتيجي نقطة تميز في المنطقة و نقطة عبور محورية تمتد من عمقه الأفريقي لكل القارات ، بل و بوصلة منفتحة على كل الإتجاهات ، هذا المغرب هو نفسه الذي استطاع رغم الصراعات الداخلية و الأطماع الخارحية ، أن ينجح عبر التاريخ في المرور من حكم إلى حكم و في كسب رهان الإستقرار . لكننا اليوم و في سياق الأحداث و التي لم تكن بالهينة و لا بالعابرة ، التي شهدها المغرب على الأقل منذ 2011 ، نجد أنفسنا مرة أخرى أمام تحدي الإستقرار و رهان الإصلاح و التنمية ، و لا أدل على ذلك من قرار الملك تشكيل لجنة للبحث في نمودج جديد يمكن من إنطلاقة أخرى و من تجاوز خط الخطر ، الذي أصبحنا نقترب منه بسرعة مقلقة .
لكن الجواب اليوم بعد كل ماشهدته الساحة الوطنية من انزلاقات ومن تراجعات على كل المستويات لا داعي لسردها ، الجواب على المعادلة الصعبة ، و الغير القابلة للمناورة أو المجازفة بعد الآن ، و المتمثلة في رهان الإصلاح و التنمية ، يبقى في ارتباط تام مع قرارات المؤسسة الملكية . لقد كان لتردي الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية للمواطن المغربي ، و فقدانه لعامل الثقة في مؤسساته حتى أصبح لا يتردد في مخاطبة الملك مباشرة في كل مايهم حقوقه و شأنه العام ، كان لهذا المعطى المؤسف ، بعد إنفراج ملموس في محطة 2011 أثر غير محمود بل و شكل النكسة بالنسبة للمغاربة . و إذا كان المواطن اليوم و في الظرفية الحالية و هي دقيقة ، مرغما على إعادة طرح سؤال الإصلاح كسؤال مصيري ، فهذا معناه أننا لم نحقق القفزة المرجوة ، بل على عكس الآمال التي أنعشت المغاربة ، حققنا فقط التراجع بسبب سوء التدبير العام و غياب المحاسبة المؤسساتية . و حتى لا نستمر في الدوران حول أنفسنا و حول نفس الحلقة سوف نطرح مباشرة التساؤلات التالية :
كيف يمكن اليوم الحديث عن إصلاح حقيقي إنطلاقا من بوابة التنمية دون المرور عبر إعادة الإعتبار لكافة المؤسسات الدستورية و بإغفال شبه تام لعامل الفساد الذي استشرى في جل المرافق و المؤسسات العمومية ، و دون تفعيل مبدأ المحاسبة القضائية بكل أطوارها في الملفات الكبرى أولا قبل الصغرى ، بعيدا عن سياسة الكيل بمكيالين ؟
و هل إستمرار الدولة في ضخ مزيد من الدعم في بنك الأحزاب السياسية الفاشلة في مهامها إتجاه الوطن و المواطن هو الحل ؟ عوض الإنكباب دون مزيد من التماطل الغير المدروس العواقب ، على إصلاح شامل و حقيقي لمدونة الإنتخابات و مواكبة الاستحقاقات الإنتخابية بمنطق المراقبة الإيجابية و ليس غيره ؟
و كيف يمكن لمؤسسات منبثقة من إرادة لوبيات و مركز قرار متحكم و غير مرئي و ليس مؤسسات منبثقة من إرادة شعبية أن نلج إلى حلول جدرية للقضاء على مفاصل الفساد في تدبيرنا للثروة و أولها الإنسان ؟
من ناحية أخرى هل مدخل الإصلاح الذي ينشده المغرب اليوم سياسي و مؤسساتي أم فقط تنموي بمفهوم مقاولتي و بأدوات تقنوقراطية ؟ أم أن مداخل الإصلاح لكسب رهان التنمية هي مداخل دستورية يتوجب عليها ترجمة روح الدستور أولا ، ثم الجواب على تحديات المرحلة ثانيا بكل تعقيداتها إن على المستوى الداخلي أو بعلاقة مع النظام العالمي الجديد الذي أصبح متنفدا في إملائاته ، دون الحديث عن أجندات الإختراق التي يواجهها المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى ؟
و حتى لا نثقل كاهل القارئ الكريم بتساؤلات أخرى غير بعيدة عن المنطق ، نكتفي بالتأكيد على أهم نقطة ألا وهي أن العصمة و إرادة الإصلاح تبقى في يد الملك بصفته الدستورية كضامن للاستقرار و ضامن لتفعيل أدوار المؤسسات و أدوات المحاسبة . كما يبقى الملك كمؤسسة قائمة الذات ، من عليه إعطاء الجواب حتى على كيفية تفعيل مخرجات اللجنة التي أوكل لها تقديم مقترح نموذج تنموي جديد .
*فاعلة سياسية و حقوقية واعلامية.





