النيابة العامة تكشف عن تصاعد التهديدات الارهابية ضد المغرب بالموازاة مع تكثيف الجهود الأمنية والقضائية
خولة اجعيفري
في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة والاضطرابات الأمنية التي تعصف بمنطقة الساحل الإفريقي، بات المغرب في مرمى استهداف التنظيمات الإرهابية، التي تسعى إلى اختراق حدوده ونقل أنشطتها التخريبية إلى الداخل، وهو ما سبق وأكده المكتب المركزي للأبحاث القضائية قبل أسابيع، ليعود تقرير رئاسة النيابة العامة لسنة 2023 ويكشف عن ارتفاع عدد القضايا الإرهابية المسجلة إلى 123 قضية، بزيادة 13 قضية مقارنة بعام 2022، مما يعكس تصاعد المخاطر الأمنية رغم الجهود المبذولة لتطويق الظاهرة الإرهابية والقضاء على مصادر تمويلها وشبكات تجنيدها.
وهذا التزايد في عدد القضايا الإرهابية يثير العديد من التساؤلات حول طبيعة التهديدات التي تواجهها المملكة، لا سيما مع استمرار محاولات التنظيمات المتطرفة في التغلغل داخل النسيج المجتمعي، سواء عبر الاستقطاب الفكري أو التوجيه نحو تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الأمن والاستقرار.
ووفق ما كشفه تقرير صدر اليوم الجمعة عن النيابة العامة، فقد بلغ عدد الأشخاص الذين تمت متابعتهم في هذه القضايا 158 شخصًا، من بينهم 29 شخصًا كانوا رهن الاعتقال الاحتياطي أو في طور تنفيذ العقوبة، فيما لا يزال 119 شخصًا قيد البحث والتحقيق.
ولفت التقرير الانتباه إلى أن 10 أشخاص من بين الموقوفين تمت إحالتهم إلى مصحة الأمراض العقلية، وهو ما يبرز الجانب النفسي لبعض المتورطين في القضايا الإرهابية، ويفتح النقاش حول العوامل النفسية والاجتماعية التي تدفع بعض الأفراد إلى اعتناق الفكر المتطرف.
التقرير الذي تتوفر عليه “الصحيفة”، كشف أيضًا عن طبيعة الجرائم المرتبطة بالإرهاب خلال سنة 2023، حيث تصدرت تهمة الإشادة بالإرهاب قائمة المتابعات القضائية بـ 108 حالة، متبوعة بالتحريض والتكفير بـ 83 قضية، وهو ما يعكس استمرار خطاب الكراهية والتحريض على العنف في بعض الأوساط، سواء في الفضاء الرقمي أو ضمن شبكات مغلقة تنشط في استقطاب الشباب نحو التطرف.
من جهة أخرى، بلغ عدد المتابعات المرتبطة بتكوين عصابة لإعداد وارتكاب أعمال إرهابية 79 حالة، وهو رقم مقلق يشير إلى أن التنظيمات المتطرفة لم تتخلَّ عن نهج العمل الجماعي، بل تسعى إلى تأسيس خلايا سرية وتنظيمات محلية لتنفيذ أجندتها الإجرامية.
إلى جانب ذلك، كشف التقرير عن استمرار محاولات تمويل الإرهاب، حيث تم تسجيل 7 قضايا تتعلق بجمع أو تحويل أموال لخدمة الجماعات المتطرفة، وهو ما يعكس بقاء قنوات الدعم المالي للإرهاب رغم الجهود الأمنية لتجفيف منابع التمويل، كما تم تسجيل 5 قضايا مرتبطة بحيازة أو صناعة أسلحة ومتفجرات، و5 قضايا أخرى تتعلق بالاختطاف بغرض الاستعمال في أنشطة إرهابية، في مؤشر على أن بعض الخلايا لا تزال تعتمد أساليب العنف والخطف كوسيلة لتحقيق أهدافها.
التحقيقات كشفت أيضًا عن محاولات متواصلة للالتحاق بالتنظيمات الإرهابية الناشطة في الخارج، حيث تم تسجيل 4 قضايا تتعلق بمحاولات سفر أفراد للانضمام إلى جماعات متطرفة، في حين تم تسجيل حالتين لمغاربة التحقوا بالفعل بتنظيمات إرهابية، وهذا المعطى يكشف استمرار وجود روابط بين التنظيمات المتطرفة في الخارج وبعض العناصر المتشددة داخل المملكة، ما يفرض مزيدًا من اليقظة لرصد أي تحركات مشبوهة في هذا السياق.
من الناحية القضائية، أظهرت الأحكام الصادرة في قضايا الإرهاب خلال 2023 حزمًا واضحًا في التعامل مع المدانين في هذه القضايا، حيث تم الحكم على شخص واحد بالإعدام، في حين صدرت عقوبتان بالسجن المؤبد، و68 حكمًا بالسجن المحدد لمدة معينة، كما قضت المحاكم بسجن شخص واحد بمدة تفوق العقوبة المحددة، في مقابل حالتي حبس موقوف التنفيذ، و8 حالات لأشخاص لم يتم توقيفهم خلال البحث أو التحقيق، بينما لا يزال 37 شخصًا قيد التحقيق في انتظار استكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
الارتفاع المسجل في القضايا الإرهابية خلال 2023 يتزامن مع تطورات خطيرة تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، حيث أصبحت هذه المنطقة أرضًا خصبة لنشاط الجماعات المتطرفة، التي تستغل هشاشة الأوضاع الأمنية في بعض الدول لتوسيع نفوذها واستقطاب عناصر جديدة، ومع انحسار تنظيم داعش في الشرق الأوسط، تحولت بوصلة التنظيمات الإرهابية نحو إفريقيا، التي باتت تشكل بديلًا استراتيجيًا للتنظيمات المتطرفة، مثل “داعش في الصحراء الكبرى” و”تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي”، اللذين يسعيان إلى استقطاب عناصر جديدة وتوسيع نطاق عملياتهما.
وتنامي هذه التهديدات فرض على المغرب تعزيز يقظته الأمنية وتكثيف تعاونه الإقليمي لمواجهة الخطر القادم من الجنوب، خصوصًا في ظل تزايد حالات محاولة الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية في دول الساحل.
وإذا كانت الأجهزة الأمنية المغربية قد نجحت في تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية قبل تنفيذ مخططاتها، فإن المعركة ضد الإرهاب لا تزال طويلة ومعقدة، خاصة مع استمرار نشاط التنظيمات المتطرفة عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تعمل على استقطاب الشباب وتحويلهم إلى أدوات لتنفيذ أجنداتها التخريبية.
من جهة ثانية، فإن البيانات التي كشف عنها تقرير النيابة العامة يعكس واقعًا مزدوجًا، فمن جهة، تؤكد أن السلطات المغربية تواصل يقظتها الأمنية وتنجح في تفكيك الخلايا الإرهابية قبل أن تتحول إلى خطر ميداني، ومن جهة أخرى، فإن استمرار تسجيل قضايا الإرهاب، سواء المتعلقة بالإشادة والتحريض، أو بالتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية، يؤكد أن التهديد لم ينتهِ بعد، بل يواصل التطور واتخاذ أشكال جديدة، وبالتالي فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المغرب اليوم لا يكمن فقط في المواجهة الأمنية، بل في القدرة على تفكيك البيئة الحاضنة للإرهاب، سواء من خلال تعزيز الرقابة على التمويلات المشبوهة، أو محاربة الفكر المتطرف عبر برامج التأطير الديني والاجتماعي، إضافة إلى ترسيخ قيم التسامح والاعتدال لمواجهة خطاب الكراهية والتكفير.
في ظل هذا الوضع، يظل المغرب مطالبًا بتكثيف تعاونه مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتعزيز آليات تبادل المعلومات الأمنية، وتجفيف منابع التطرف قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر للأمن والاستقرار.
وتشير المعطيات الأمنية، التي سبق وحصلت عليها “الصحيفة” من “البسيج” إلى أن المغرب بات هدفًا استراتيجيًا للتنظيمات الإرهابية، بالنظر إلى انخراطه القوي في جهود مكافحة الإرهاب على المستويين الإقليمي والدولي، فبحسب مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، حبوب الشرقاوي، فإن تفكيك عدد من الخلايا الإرهابية في الأشهر الأخيرة، وعلى رأسها خلية “الأشقاء الثلاثة”، يؤكد أن هذه التنظيمات تتبنى أجندة توسعية تهدف إلى اختراق التراب المغربي.
وهذه الخلايا الإرهابية لا تنشط بمعزل عن المخططات الكبرى لتنظيم الدولة، حيث كشف الشرقاوي أن أسلوب إدارة هذه الخلايا كان بمثابة مشروع استراتيجي لـ”ولاية التنظيم في الساحل”، يسعى إلى إنشاء فرع له داخل المغرب، وهو ما يتضح من التمويلات التي تلقتها بعض الخلايا، ومنهجية التدريب والدعم اللوجستي الذي كان يُوفر لها.
وإلى جانب التهديدات الخارجية، يواجه المغرب تحديًا آخر يتمثل في محاولات التنظيمات الإرهابية استقطاب عناصر محلية، وتوجيههم لتنفيذ عمليات إرهابية داخل البلاد، في حال تعذر التحاقهم بمعسكرات التنظيمات الإرهابية في مناطق أخرى، فوفقًا للمعطيات الأمنية، يُقدر عدد المقاتلين المغاربة المنضمين إلى ولايات تنظيم الدولة في الساحل وغرب إفريقيا والقرن الإفريقي بأكثر من 130 فردًا، بعضهم تولى مسؤوليات قيادية، لا سيما في مجال التخطيط للعمليات الخارجية.
ويحذر المسؤولون الأمنيون من أن التنظيمات الإرهابية بدأت تراهن على العناصر المتطرفة داخل المغرب، خاصة في ظل تصاعد جاذبية الخطاب المتطرف في بعض الأوساط، فيما يرى الخبراء أن هذا السيناريو يعكس استراتيجية التنظيم في تدويل العمليات الإرهابية، من خلال الدفع بالعناصر المتأثرة بفكره إلى تنفيذ هجمات محلية، دون الحاجة إلى الانتقال إلى معاقل التنظيم في مناطق النزاع.
ويشير المتحدث باسم المديرية العامة للأمن الوطني، بوبكر سبيك، إلى أن تنظيم الدولة يعتبر نفسه في موقع قوة بعد تمدده في الساحل والقرن الإفريقي، وهو ما يدفعه إلى تحديد المغرب كهدف جديد، في محاولة منه لتوسيع نطاق نفوذه، غير أن الضربات الاستباقية التي توجهها الأجهزة الأمنية المغربية حالت دون تحقيق التنظيم لمخططاته، إذ تم إحباط العديد من العمليات الإرهابية قبل تنفيذها، وكشف الخلايا النائمة المرتبطة به.
وأمام هذه التحديات المتصاعدة، يواصل المغرب تبني نهج أمني استباقي يرتكز على تفكيك الخلايا الإرهابية قبل تمكنها من تنفيذ مخططاتها، وذلك عبر تحليل دقيق للمعلومات الاستخباراتية، ورصد التحركات المشبوهة داخل وخارج البلاد، ويعتمد المكتب المركزي للأبحاث القضائية على تقنيات متطورة في تعقب الشبكات الإرهابية، بما في ذلك أجهزة كشف المعادن للبحث عن الأسلحة المحتملة، إلى جانب تعزيز التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين والإقليميين لمواجهة الخطر المتنامي في منطقة الساحل.
ورغم كل ما سبق، نجح المغرب حتى الآن في تحصين أراضيه من الهجمات الإرهابية، إلا أن استمرار الضغوط من قبل التنظيمات المتطرفة يتطلب مزيدًا من اليقظة والتأهب، لضمان بقاء المملكة واحة للأمن والاستقرار في محيط إقليمي مضطرب.
الصحيفة





