قطار إلى المجهول: بين دوامة العنف وصرخة الركاب الصامتة

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

لم يكن القطار المتجه عبر المسارات المتعرجة في باكستان سوى عربات تحمل آمال المسافرين نحو وجهاتهم، حتى توقف فجأة في محطة الرعب، حيث حلّ الخوف مكان المحركات، وحيث صمتت العجلات تحت وطأة السلاح. لم يكن هناك إعلان مسبق عن هذه المحطة، ولم تكن مدرجة على أي خريطة، بل رسمتها يد العنف على سكك الحديد، ليجد 450 مسافرا أنفسهم رهائن في قبضة المجهول، في مشهد يختزل أزمات بلد يرزح تحت وطأة التوترات الأمنية، حيث يتحول السفر إلى مغامرة، والقطار إلى فخ لا نجاة منه.
الرعب لم يكن مجرد إحساس يتسرب إلى النفوس، بل كان واقعا ملموسا يثقل الهواء داخل العربات. لم يعد الركاب سوى أوراق مساومة، تتقاذفها أيدي المسلحين بين تهديد وتنفيذ، بينما تسود قاعة القيادة حالة من الذعر، فالسائق نفسه لم يكن يدري إلى أين تسير الأمور. الأوامر لم تعد تأتي من مركز التحكم، بل من فوهات البنادق التي حوّلت المكان إلى سجن متحرك، بلا جدران، لكن بأسلاك شائكة غير مرئية تحيط بكل من فيه.
في الداخل، تتراصّ الدقائق فوق بعضها كأنها أزمنة متراكمة، طويلة بلا نهاية، ثقيلة بلا معنى. طفل صغير يلتصق بثوب أمه، يبحث عن إجابة في عينيها لكنها لا تملك سوى الصمت. شيخ ينظر إلى السقف، يتمتم بأدعية مكتومة. رجل خمسيني يدسّ يديه في جيوبه، كأنهما كفاه عن كل شيء. في مثل هذه اللحظات، يصبح الزمن سيفا مشحوذا، يقطع الأمل شيئا فشيئا، بينما تنتظر الأجساد القرار القادم: هل سيكون إنقاذا، أم ستكون النهاية في لحظة خاطفة، على يد رجال لا يرون في الحياة سوى ساحة حرب لا تنتهي؟
وفي الخارج، تدور عجلة السياسة والأمن، تحاول الحكومة الباكستانية رسم سيناريوهات الحل، وهي تعلم أن أي خطوة خاطئة قد تحول المشهد إلى مأساة دموية جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من العنف الذي أدمى البلاد. بين التدخل العسكري والمفاوضات، تتأرجح الخيارات، بينما يجلس المسلحون خلف أقنعتهم، يتحكمون في المشهد كعرائس مسرحية لا يُرى محركها، يفاوضون من منطق القوة، ويرفعون مطالب قد لا تكون قابلة للتحقيق، لكنهم يعلمون أن الرهائن وحدهم هم من سيدفعون الثمن في النهاية.
ليس من السهل فهم الأبعاد الحقيقية لهذه العملية، فالأيادي التي تحرّك الخيوط قد تكون أبعد مما يبدو. هل هي جماعات محلية تبحث عن نفوذ في المناطق القبلية؟ هل هناك جهات خارجية تساهم في تغذية الفوضى داخل البلاد؟ الأسئلة تتكاثر كخيوط العنكبوت، لكنها في النهاية لا تغير من حقيقة واحدة: هناك 450 إنسانا محتجزون في قطار توقف بين الحياة والموت، ينتظرون مصيرا لا أحد يعرفه بعد.
ربما تنجح السلطات في إنقاذ الركاب، ربما يتم التوصل إلى اتفاق، وربما ينتهي المشهد كما بدأ: مفاجئا، مرعبا، قاتلا. لكن المؤكد أن هذا القطار، سواء عاد إلى مساره أم لم يعد، سيظل شاهدا على هشاشة الأمن، وعبثية العنف، ومصير البشر العالقين بين قضبان السياسة والسلاح.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...