حين تبكي الراية وتُحرق الطفولة!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

كنا نظن أن أقسى ما يمكن أن نسمعه من أنباء هو خبر استشهاد طفل فلسطيني قضى غرقا في دمه، أو عائلة كاملة طُمرت تحت أنقاض بيتها بسبب قذيفة “ذكية”. لكن لا، يبدو أن في هذا العالم من يعتبر أن “العَلَم المحروق” أكثر فاجعة من جثث الأطفال المتفحمة!
سيدة — تقدّم نفسها كمواطنة مغربية فاعلة — وضعت نفسها في موقع الضحية، وقدّمت شكاية عاجلة للنيابة العامة، تطالب بالتحقيق في جريمة كبرى: حرق علم إسرائيل، لا في حانة مشبوهة، ولا في زقاق مهجور، بل في قلب العاصمة الرباط، خلال مسيرة مليونية غصّت بآلاف المغاربة الأحرار الذين خرجوا رفضا للعدوان، وتضامنا مع شعب يباد تحت سمع العالم وبصره.
كانت مظاهرة تاريخية بكل المقاييس، هتافات تصدح من حناجر أطفال وشباب وشيوخ ونساء، وكل فئات الشعب المغربي، لكن ما شد انتباه السيدة الفاضلة لم يكن صرخات “بالروح بالدم نفديك يا فلسطين”، بل مشهد اشتعال قماش يتوسطه “رمز الاحتلال”…
قماش احترق، فانفجرت “كرامتها” غضبا، بينما أطفال يُشوَون في غزة فلم تهتز لها شعرة.

ولعل الأغرب من كل هذا، أن من بين من أحرقوا علم إسرائيل بأنفسهم، ليسوا العرب ولا المسلمين، بل يهود، فعلوها بكل أريحية وسط حي “ميا شاريم” في القدس المحتلة، خلال احتفالاتهم بعيد “لاج باومر”، احتفاء بذكرى وفاة الحاخام شيمون بار يوشاي!
أجل، اليهود أنفسهم أحرقوا العلم الإسرائيلي، ولم تتقدّم هذه السيدة ولا غيرها بشكاية ضدهم بتهمة “زعزعة الشعور الوطني” أو “الإساءة لرمز الدولة المعترف بها”!
لكن حين فعلها مغاربة أحرار وسط مظاهرة مليونية من أجل غزة، أصبحت فجأة جريمة وطنية ومساسا بالكرامة!
إذا كان اليهود يحرقون علمهم طقسيا، ونحن نحرقه غضبا من جرائمهم، فما المشكلة إذا؟
أم أن القضية فقط أن من أحرقه في الرباط لم يكن يرتدي قبعة يهودية، بل كان يحمل صورة طفل فلسطيني قتله القصف الإسرائيلي؟
سيدة رقيقة القلب، تهزّها ألسنة اللهب إن مست قماشا أبيض تتوسطه نجمة زرقاء، لكنها لا ترفّ لها عين حين تشاهد طفلا من غزة ينتحب بجانب جثة أبيه، أو حين تبكي أم فلسطينية على ابنها وقد اختلطت دماؤه برماد منزله.
لو كان لها قلب، لما تبجحت أمام الرأي العام بدموع التماسيح.
لو كانت فعلا فاعلة مدنية، لرفعت شكاية ضد أكبر جرائم العصر:
ضد من قصف المدارس، ضد من حاصر الغزاويين حتى صار الخبز أمنية، وضد من جعل الماء دواء نادرا، والدواء ترفا لا يُشترى.
قولي لنا يا فاضلة:
هل ذلك العَلَم أغلى من الإنسان؟
هل القماش أهم من الطفل؟
هل كرامة دولة مُحتلة لغيرها أهم من كرامة طفل بلا مأوى؟
لو كانت النجمة الزرقاء تتألم فعلا، أما كان من الأولى أن تتحرك يوم قصفت مستشفيات الشفاء، ومجمعات النازحين، ورياض الأطفال؟
إن كنا قد احترقنا غضبا فأحرقنا علما، فإن غزة تحترق ليل نهار، لكنكم لم تحترقوا معها، لا روحا ولا موقفا.

ولْتعلم هذه السيدة ومن على شاكلتها، أن مثل هذا السلوك لا يشرف المملكة المغربية، ولا يشرفنا كمغاربة أن تحمل هذه “الفاعلة” جنسيتنا.
فمن لا يحترق لأجل طفل يقتل ظلما، لن يُشرفه لا عَلَم ولا دستور.
نطالب الجهات المسؤولة أن لا تتساهل مع من يحاول تشويه صوت الشعب المغربي الحر، الذي عبر بوضوح عن تضامنه مع الحق الفلسطيني، لا بالكلام فقط، بل بالخروج إلى الشارع، بالهتاف، بالحناجر، وبكل الوسائل السلمية، ومنها إحراق علم كيان مجرم.
كفى متاجرة بالمبادئ.
كفى قلبا لا يخفق إلا إذا مسته نار القماش، لا نار الحصار، ولا نار الحزن الفلسطيني.
كفى انفصاما… فهناك في غزة من لا يملك حتى أن يدفن أطفاله، بينما هنا من يطالب بـ”التحقيق” لأنّ قماشة أُضرمت فيها النار.
عيب. وبعض العيب لا يُغتفر.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...