عبد القادر الفرساوي
حين يرحل كاتب بحجم ماريو بارغاس يوسا، لا يختفي كاتب فحسب، بل يُطفأ ضوء من أضواء الذاكرة الجمعية التي كانت ترى في الأدب عصا سحرية تفضح العالم وتجمله في آن واحد. مات يوسا، آخر الكبار الذين لم يكونوا مجرد روائيين بل صناع متاريس ضد الابتذال، ومدافعون عن الفكرة، حتى لو اختلفنا معها، وحتى لو آلمتنا.
ما أعظم المفارقة حين يقف القارئ أمام نعش رجل لا يعرفه شخصيا، لكنه يشعر بأنه فقد جزءا من ذاته، من مراهقته، من هروبه الجميل عبر صفحات رواية إلى مدن لا يعرفها، وشخصيات لا تنسى. إن من قرأ المدينة والكلاب أو البيت الأخضر أو حفلة التيس، يدرك أن يوسا لم يكن يكتب وحسب، بل كان يحفر في طبقات النفس والذاكرة والجغرافيا والسياسة،
بحثا عن الحقيقة أو لعناتها.
يوسا لم يكن ملاكا ولا نبيا، ولا حتى كاتبا منزّها عن السقوط، لكنه كان – وهذا يكفي- صوتا أدبيا فخما لا يُستنسخ. أصيب كثيرون من أبناء جيله بلعنة «التحول السياسي»، انزلقوا إلى اليمين أو غرقوا في الأحلام الثورية، لكنه ظلّ حتى النهاية مثيرا للجدل، عاشقا للحرية، خائفا من الطغاة، مهما اختلفت أسماؤهم أو تنكروا بشعارات الثورة أو السوق.
كان خصومه السياسيون ينهشون مواقفه كما لو أن الرواية يجب أن تخضع لاختبار الإيديولوجيا. لكنهم نسوا، أو تجاهلوا، أن الأدب العظيم لا يقاس بمزاج الجمهور، بل بقدرته على الصمود بعد أن يغلق الكتاب. إن الذين سعوا إلى إلغاء يوسا من المشهد الثقافي، ارتكبوا جريمة مزدوجة: قتلوا القدرة على الفصل بين العمل ومواقف صاحبه، وأعلنوا ولاءهم لثقافة الإقصاء بدل الإبداع.
لقد عاش يوسا ليبراليا، ومات متحررا من التصنيفات. ومثل كل العظماء، سيبقى موضع نقاش حتى بعد أن تنطفئ شموع قبره. هناك من سيذرف دمعة صامتة وهو يعيد قراءة محادثة في
الكاتدرائية، وهناك من سيشتمه وهو يضع كتبه على الرف الأخير. لا بأس، فهو نفسه كان يقول: «لا توجد رواية حيادية… كلها انحياز للحياة».
من المؤلم أن يموت الكاتب في زمن تطغى فيه “ترندات” تيك توك على عمق رواية من 500 صفحة. ومن المؤلم أكثر أن يتحول الأدب إلى مرآة للترفيه فقط. كان يوسا يكتب ضد هذا السقوط، ضد اختزال الإنسان في شهوة اللحظة. كان يرى في الرواية تمرينا على التمرد، ونافذة للغوص في ما لا يقال، وما لا يراد له أن يقال.
رحل الكاتب، وبقيت الكلمة. نُثِر رماده، لكن بقي أثره مطبوعا في آلاف الصفحات، في عيون قراء استنشقوا عبق بيرو وصرخات ليونثيو برادو، في عقل كل من عرف أن الكتابة ليست مهنة بل قدر، وأن الرواية ليست فخا للهروب بل وعد بالحقيقة، مهما كانت جارحة.
وداعا أيها الساحر. لقد كتبتَ حياتك، والآن صارت هي من تكتبك.





