بلدية مرسيليا… حين تنتصر مدينة التعددية لروح الجمهورية الفرنسية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

في لحظة نادرة تستعيد فيها فرنسا أبهى تجليات روحها الجمهورية، أطلق رئيس بلدية مرسيليا صرخة ضمير تحت قبة المجلس البلدي، محذرًا بشجاعة من الانزلاق نحو خطابات الكراهية والعنصرية الموجهة ضد المسلمين. وبلهجة لا تخلو من حزم ووضوح، أعلن أنه لن يتوانى عن إحالة أي تجاوز للقضاء، داعيًا إلى فتح تحقيق رسمي بحق من يروّج للعنصرية والإسلاموفوبيا بين جدران المجلس.

لم تكن كلماته مجرّد موقف سياسي عابر، بل كانت إعلان ولاء لقيم عميقة متجذرة في وجدان مرسيليا، المدينة التي لم تعرف يومًا الانغلاق أو الإقصاء. فمرسيليا، الميناء العتيق على ضفاف المتوسط، كانت على الدوام أكثر من مجرد بوابة تجارية؛ كانت وما تزال فسيفساء نابضة بالثقافات والهويات، ملتقى حضارات لا تنضب، ومنارة للتسامح والانفتاح.

منذ القرن الثاني عشر، حين مدّت مرسيليا جسور التجارة والصداقة مع مدينة سبتة المغربية، بدأت ترسم ملامح هوية فريدة، قوامها التواصل بين ضفتي المتوسط، واحترام الآخر، مهما كانت اختلافاته. إرثٌ حيٌّ لم تغِب ملامحه عن ذاكرة المدينة، حتى في أكثر الفترات اضطرابًا.

تحذير رئيس بلدية مرسيليا ليس دفاعًا عن فئة أو ديانة بعينها؛ إنه دفاع عن قلب المدينة، عن صورتها كحاضنة للتنوع وكجسر للعيش المشترك. إنه أيضًا موقف يعيد التأكيد على أن احترام الكرامة الإنسانية ليس خيارًا بل التزام دستوري، وأن الدفاع عن التعددية شرط أساسي لحماية الجمهورية من التفكك والانقسام.

في زمن تتكاثر فيه نزعات الانغلاق والهويات القاتلة، تعيد مرسيليا التذكير برسالتها: أن المتوسط يجب أن يظل فضاءً للتلاقي لا ميدانًا لصدام الثقافات، وأن مقاومة الكراهية والعنصرية ليست فقط معركة أخلاقية، بل معركة وجودية لصون السلم الأهلي.

كل التحية لرئيس بلدية مرسيليا، ولكل من يختار الانحياز لقيم الإنسانية، ويؤمن أن الجمهورية، في جوهرها، لا تقوم إلا على الاعتراف بالآخر واحترامه.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...