الطالبة الباحثة
وصـــــال مكوار
حين نتأمل في وضعية الأدب داخل المنظومة التعليمية، وذلك خاصة في التعليم الجامعي، نجد تراجعا ملحوظا في التعامل مع المعرفة الأدبية كأداة فكرية ومنهجية ووظيفية، بحيث لم يعد الأدب يدرس باعتباره حقلا معرفيا متكاملا، بل أضحى يجزأ إلى وحدات بيداغوجية معزولة، تقدم كجزر متفرقة، تفتقر إلى الترابط التاريخي والمنطقي، مما يفقد الطالب القدرة على تتبع تطور الفكر الأدبي وفهم سياقاته، لكن من جهة أخرى، نجد أن هذا التراجع انعكس في الانكفاء عن نظريات الأدب والمناهج، وضعف التركيز على تاريخ المفاهيم وتطور الأفكار، بل نجد أن الدرس الأدبي تحوّل إلى وسيلة للتحضير للامتحانات، لا لتكوين الوعي أو استيعاب الأدب كخطاب منتج للمعنى ومعبر عن التحولات الاجتماعية والذاتية.
ولعل السبب الرئيس في هذا التدهور يرتبط بالتحول في وظيفة الجامعة نفسها، فبدلا من كونها فضاء لإنتاج المعرفة، وتكوين الإنسان المفكر القادر على مساءلة الواقع، أصبحت الجامعة تدار بمنطق السوق، وترتبط بمحيطها من زاوية التشغيل فقط، وهذا ما انعكس على طبيعة التكوين البيداغوجي وأسلوب التدريس، ما جعل العلوم الإنسانية، وعلى رأسها الأدب، تتراجع لصالح التخصصات العلمية “المطلوبة” في سوق العمل.
ومع هذا التحول، تراجعت مكانة الأدب في الجامعة، فيكفي فقط أن نستحضر كيف كانت الجامعات، خصوصا الأوروبية، خلال ستينيات القرن العشرين، التي كانت تحتضن الأدب بوصفه مجالا معرفيا وفكريا غنيا، يتقاطع مع الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتحليل النفسي، وتاريخ الأفكار.. فكان الأدب آنذاك مجالا فعليا لتحليل الخطاب، وتأطير الوعي، وفهم الذات والمجتمع. ولذا، كان الحضور الأدبي في البحث العلمي وفي المشاريع الجامعية له حضورا وازنا، يعكس قيمة الأدب كوسيلة لفهم العالم وليس مجرد مادة للدرس، لكن ومع صعود الخطاب النفعي في السياسات التعليمية، وترويج فكرة أن التخصصات الأدبية “لا تنفع”، بدأت تتشكل نظرة دونية للأدب، تختزله في الكسل أو الهروب من الجهد العلمي، بل إن بعض المؤسسات العربية صارت تروج لمفاهيم تعليمية تعتبر النجاح مقترنا بالابتعاد عن التخصصات الأدبية، مع تقديم منح وامتيازات لدراسة العلوم الدقيقة والمعلوماتية، مما عمق الفجوة المعرفية، ورسخ صورة مشوهة للأدب.
أمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة اليوم لإعادة الاعتبار للدرس الأدبي، ليس عبر استرجاعه التقليدي، بل من خلال تبني رؤية فلسفية جديدة في تدريسه، تعلي من مكانته كمعرفة قادرة على التفاعل مع الواقع، وتحليل تعقيداته، وتأطير الوعي الفردي والجماعي.
فالجامعات، خاصة كليات الآداب، مدعوة اليوم إلى استعادة وظيفتها الثقافية والمعرفية، وتكريس الأدب كوسيلة للتفكير النقدي، وتنمية الذاكرة الثقافية، وتكوين الإنسان القادر على تفكيك الخطاب، وتنظيم الفكر، ومقاربة الأسئلة الكبرى التي تطرحها قضايا مثل الهوية، والدين، والتاريخ، والانتماء. ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي الإيمان العميق بدور الأدب في تنمية المجتمعات، واعتباره ضرورة حضارية لا غنى عنها، فغياب هذا الإيمان يفتح المجال لخطابات تقصي الأدب، وتهمشه من الفضاء المعرفي، ما يفقد الإنسان إحدى أهم أدواته في التعبير والفهم والتغيير.
إن تدريس الأدب وفق منهجية فلسفية تراعي تحولات المجتمع، وتستثمر المعرفة الأدبية في قراءة الذات والواقع، من شأنه أن يعيد التوازن للمنظومة التعليمية، ويمنح الأدب المكانة التي يستحقها إلى جانب العلوم الأخرى، باعتباره مجالا حيويا لفهم الإنسان، ومفتاحا لتجاوز الأزمات دون الوقوع في فراغ وجودي أو انحراف فكري، فالأدب ليس ترفا فكريا كما يدعي البعض، بل هو ضرورة تربوية ومعرفية في زمن اختلال المفاهيم، وتحول وسائل الإعلام إلى أدوات تأثير إيديولوجي بامتياز.
لذلك، فإن إعادة الاعتبار للدرس الأدبي، قراءة وتدريسا، وتوفير بيئة تشجع الطلبة على الإقبال عليه برغبة واعية، يمثل خطوة ضرورية لبناء أجيال قادرة على التفكير والتحليل والمساءلة.
وفي الختام، لا يمكن بناء حضارات متوازنة في غياب التعدد المعرفي، فكما نحتاج إلى العلوم الدقيقة، نحتاج أيضا إلى الأدب والفكر والفلسفة، لأنها تؤمن التوازن النفسي والفكري للمجتمعات، وإهمال الأدب لن يؤدي إلا إلى فراغ فكري يجعل الأفراد أكثر عرضة للانقياد، وأقل قدرة على الفهم والمواجهة.





