الأحزاب المغربية بين التأطير السياسي والوصاية العقائدية: قراءة في واقع المشهد الحزبي المغربي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم: بوحافة العرابي

 

 

 

لا يمكن الحديث عن المشهد السياسي في المغرب دون التوقف عند ظاهرة التعدد الحزبي، التي تُعد من أبرز سمات الحياة السياسية المغربية. فالمملكة، على مدى عقود، نسجت تجربة ديمقراطية فريدة في المنطقة تقوم على التعددية والتنوع السياسي، إلا أن هذا الغنى التنظيمي لم يكن دائمًا مرادفًا للفعالية أو التجانس، بل أصبح في أحيان كثيرة مصدرًا لتناقضات داخلية وسجالات حادة بين أطراف المشهد السياسي.

إن الأحزاب المغربية، تاريخيًا، شكلت قنوات لتأطير المواطنين، وصياغة الرأي العام، وتمثيل تطلعات فئات اجتماعية مختلفة. ومن خلال البرلمان والمؤسسات المنتخبة، كانت تسهم – على تفاوت – في صياغة السياسات العمومية والتأثير في المسارات الاقتصادية والاجتماعية للمملكة. وقد تعددت أنواع هذه الأحزاب بين التقليدية التي تعود إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، وأخرى جديدة انبثقت عن تحولات اجتماعية واقتصادية أو مشاريع سياسية ظرفية.

غير أن فعالية الأحزاب المغربية اليوم باتت محل تساؤل، إذ أصبح الكثير منها يفتقر إلى الإشعاع الشعبي، وإلى العمق الفكري والإيديولوجي الذي كان يميز الحياة الحزبية في عقود سابقة. فبعض الأحزاب تحولت إلى أدوات انتخابية ظرفية، تفتقد للتماسك الداخلي والرؤية المجتمعية، فيما سقطت أخرى في فخ الشعبوية أو اختزلت خطابها في قضايا جزئية غير قادرة على إنتاج بدائل حقيقية.

أما على مستوى البنية الحزبية، فإن التعدد القائم لا يعكس بالضرورة نضجًا سياسيًا أو دينامية تنظيمية حقيقية، بل يكشف عن أزمة بنيوية في بلورة مشروع وطني جامع. الأحزاب المغربية تتوزع بين تيارات تقليدية تستند إلى مرجعيات وطنية وإسلامية، وأخرى حداثية ترفع شعارات التغيير والتحرر الاجتماعي، إلى جانب كيانات هجينة تنشأ بدوافع انتخابية ظرفية أو توجيهية خارجية. هذا التنوع، ورغم ظاهره الديمقراطي، يخفي هشاشة مؤسساتية وانعدام وضوح في الهوية السياسية والفكرية لعدد من التنظيمات. فغياب برامج متكاملة، وضعف التأطير الحزبي، وافتقار كثير من الأحزاب إلى الكفاءات والخطاب العقلاني، كلها عوامل ساهمت في تسطيح العمل الحزبي وجعلته أقرب إلى مقاولات انتخابية منه إلى قوى اقتراحية ومجتمعية. كما أن الهوة الواسعة بين ما يُرفع من شعارات وما يُمارس من أداء داخل المؤسسات المنتخبة، ساهمت في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والعمل الحزبي، ما يضع علامات استفهام حول مستقبل التعددية في ظل استدامة هذا الاختلال.

كما أنه لا يمكن أن نتحدث عن الأحزاب السياسية من دون الحديث عن علاقتها بالإعلام . حيث تشكل علاقة الإعلام بالأحزاب السياسية في المغرب معادلة معقدة تتداخل فيها المصالح والمواقف والسياقات. فهذه العلاقة لا تسير في خط واحد، بل تتأرجح بين أدوار الدعم، والانتقاد، وأحيانًا التوظيف المصلحي. فالإعلام الحزبي، في فترات تاريخية سابقة، كان يشكل منبرًا لتأطير النقاش العمومي، ومصنعًا لتشكيل الوعي السياسي والنقاش الفكري، وكان له دور رائد في ترسيخ التعددية والدفاع عن خيارات حزبية واضحة. أما الإعلام العمومي، فقد ظل في الغالب حذرًا ومتحفظًا في تغطية الحركية الحزبية، مفضلًا الحياد الموجه، ما أفقده في أحيان كثيرة الفعالية في مواكبة التحولات السياسية. وفي المقابل، برزت منابر إعلامية مستقلة اختارت مواقع مختلفة بحسب توجهاتها؛ فمنها من جنح إلى الخط التحريري النقدي الراديكالي، ومنها من وقع في فخ الترويج الانتقائي لهذا الحزب أو ذاك، تبعًا للاعتبارات التجارية أو الإيديولوجية. وهكذا أضحت العلاقة بين الإعلام والأحزاب مجالًا مفتوحًا للتأثير المتبادل، لكن دون قواعد واضحة أو توازن دائم بين النقد البناء والمسؤولية المهنية.

ولعل التحدي الأبرز اليوم هو كيفية تعامل الدولة مع هذا التنوع الحزبي. إذ تبدو الحكومة، في مقاربتها التوجيهية، ساعية إلى عقلنة المشهد السياسي دون المساس بجوهر التعددية. غير أن هذا الهدف يصطدم بواقع الحزبية المزدوجة: أحزاب تدّعي الوصاية الدينية، وأخرى تزعم التحديث بالقطيعة مع القيم والمعتقدات.

في هذا السياق، برزت موجة جديدة من الأحزاب التي تنصّب نفسها وصية على دين المغاربة، وتجعل من قضايا مثل الانتماء الديني أو الدفاع عن فلسطين شرطًا للقبول داخل المنظومة الإيديولجية للحزب. حزب العدالة والتنمية يمثل نموذجًا لهذا النمط، حيث سعى إلى ربط المرجعية الدينية بالعمل السياسي، في خلط بين الدعوي والسياسي، وفي فرض تصنيف إقصائي: إما أن تكون معنا، أو أنك ضد قضايا الأمة!

في المقابل، هناك أحزاب ترفع شعار “التحرر”، لكنها في واقع الأمر تسعى إلى خلخلة ثوابت المجتمع المغربي، دينيًا وأخلاقيًا وثقافيًا. حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة بقيادة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، قدّما نماذج على هذا التوجه من خلال محاولة فرض رؤى قانونية وقيمية مغايرة في قضايا مثل الأسرة، مدونة الأحوال الشخصية، والحريات العامة، بعيدًا عن الإجماع الوطني أو المشاورات المجتمعية الواسعة.

ورغم كل هذه التجاذبات، تظل الأحزاب المغربية مطالبة بترسيخ ثقافة التوافق، والتخلي عن نهج الاصطفاف العقائدي أو الفئوي الضيق. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تمتلك هذه الأحزاب، بمختلف أطيافها، القدرة الفعلية على الدفع بالمملكة إلى الأمام؟ الجواب الصريح هو: لا يمكن لأي حزب بمفرده، سواء كان محافظًا أو حداثيًا، أن يحتكر مسار الإصلاح أو التطوير.

بل إن المغرب، بمؤسساته، وتقاليده، وقيادته الرشيدة في شخص جلالة الملك محمد السادس، هو القادر على قيادة سفينة الإصلاح في توازن بين الأصالة والمعاصرة، بين الروح الوطنية والانفتاح الدولي، على أن تظل الأحزاب أدوات مساعدة، لا وصية، في هذا المسار الوطني.

وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نقول أن وطننا الغالي يحتاج اليوم ، أكثر من أي زمن مضى ، إلى أحزاب جديدة بالفكر لا بالاسم، قادرة على الجمع بين الجذور والتجديد، وعلى تجاوز منطق القطيعة أو الوصاية، من أجل مستقبل وطني مشترك يُبنى على القيم، والكفاءة، والانتماء المسؤول.

إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...