عبد القادر الفرساوي
في كل مرة يلوح فيها الأفق بانفراج دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا، يخرج علينا بعض المتطرفين من الداخل الإسباني بمقترحات سياسية لا تمت إلى الواقعية بصلة، تفكك اللحظة وتعيدنا إلى المربع الأول: مربع سوء النية، واللعب على خطوط النار. آخر هذه النوبات التشريعية جاءت في شكل مقترح يمنح الجنسية الإسبانية لكل من ولد في الصحراء المغربية قبل انسحاب الإدارة الاستعمارية سنة 1976، تحت ذريعة “تصفية إرث الماضي”، وهو ماض لم تتوقف مدريد عن حلبه كلما اشتد الخناق عليها في الداخل. إنها محاولة مكشوفة لتسريب مشكلات الداخل إلى الخارج، وبيع الوهم تحت عباءة القانون.
الذين يصوغون هذا المشروع من تكتل “سومار” ومن معهم من أصوات كتالونية وباسكية لا يدافعون عن حقوق إنسان، بل يعيدون تدوير مواقف إيديولوجية مهزومة، ترفض أن تعترف بأن قطار التاريخ مضى، وأن زمن الكيانات الوهمية قد انتهى. يريدون منح الجنسية على أساس وثائق صادرة عن البوليساريو، وهم يعلمون أن هذه الجبهة لا تعترف بها إسبانيا نفسها، بل وتعتبرها كيانا خارج القانون. يريدون تجاوز السيادة المغربية عبر أبواب خلفية، وهم يعلمون أن محكمة العدل الدولية ذاتها رفضت الادعاء بوجود أي كيان سياسي مستقل في الصحراء قبل الوجود الإسباني، وأكدت على روابط البيعة بين القبائل الصحراوية والعرش المغربي. يريدون إشعال الحقل الحدودي بالفتن، لأن الحقل الداخلي يشتعل تحت أقدامهم منذ سنوات.
أيّ منطق هذا الذي يدعو إلى إعادة النظر في الانتماء الوطني لأناس استرجعهم المغرب إلى حضنه قبل نصف قرن؟ وهل على الرباط أن تصمت أمام مقترح يساوي بين أبنائها الشرعيين، وبين كيان مصطنع يعيش على دعم النفط والغاز الجزائري؟ الجزائر التي فشلت في أن توفر لمواطنيها أبسط شروط العيش، تحولت إلى الممول الرسمي لأوهام جبهة لا تملك لا أرضا ولا سيادة ولا هوية قانونية. هؤلاء لا يريدون دعم حقوق فردية،
بل يبحثون عن بوابة لزعزعة استقرار المغرب، والتشويش على مواقفه المتقدمة في ملف الحكم الذاتي، ذلك المشروع الذي بات يحظى بدعم عواصم القرار الكبرى: واشنطن، باريس، برلين، لندن، وحتى مدريد نفسها قبل أن تصاب بفقدان بوصلة مؤقت.
والأدهى أن من يدفع بهذا المقترح التشريعي، هم أنفسهم الذين يصرخون صباح مساء من أجل استقلال كتالونيا أو الباسك، دون أن يقبلوا مجرد مناقشة الحكم الذاتي الكامل في تلك الأقاليم. يتشدقون بحقوق الصحراويين، وهم الذين رفضوا نتائج استفتاء كتالونيا في 2017، وقمعوا سكان برشلونة في الشوارع والجامعات. أيّ نفاق هذا؟ كيف يطالب من لا يقبل الاستقلال في بيته، بمنحه في بيت الجيران؟ وكيف لمن لم يجرؤ على تطبيق الفيدرالية في أقاليمه، أن يفرض على المغرب القبول بالانفصال والتفتيت؟
ليست هذه أول مرة يستخدم فيها ملف الصحراء كورقة انتخابية في إسبانيا، لكنها واحدة من أقبحها، لأنها تأتي بعد جهود إصلاح تاريخية بدأها الملك محمد السادس لإرساء نموذج تنموي جديد في الأقاليم الجنوبية، ولأنها تهدد شراكة استراتيجية كان من المفترض أن تبنى على الاحترام المتبادل لا على طعنات الغدر. المغرب الذي قدم مبادرة سلمية شجاعة منذ سنة 2007، لم يتلق من بعض الأصوات الإسبانية سوى محاولات تشويش، وحنين إلى زمن الاستعمار البائد، واستعمال “الجنسية” كسلاح رمزي لتشويه السيادة.
ثم إن هذا المشروع التشريعي، في جوهره، لا يخدم لا إسبانيا ولا الصحراويين، بل يخدم فقط مصالح سياسية ضيقة، تبتغي أصواتا انتخابية في الجيوب اليسارية المتطرفة، وتطمح إلى إحراج الحكومة الإسبانية عبر استدعاء ماض تجاوزته الجغرافيا والشرعية. وإذا كان هناك من يجب أن يمنح الجنسية، فهم أولئك الذين دافعوا عن الوحدة الوطنية في جنوب المغرب، والذين قاوموا الاستعمار الإسباني، لا من اختاروا أن يعيشوا في خيام مولتها الجزائر، وادعوا صفة لاجئ لمجرد تأبيد الأزمة.
إن الصحراء ليست قضية جغرافية، بل هي امتحان أخلاقي لكل من يحترم الشعوب وحقها في الاستقرار والتنمية. ومن كان صادقا في احترام الشعوب، فليبدأ باحترام إرادة المغربي في صحرائه، قبل أن ينصب نفسه مدافعا عن كيان فقد كل شرعية، ولا يعيش إلا في خطابات إعلامية موجهة. والمغرب، كما أثبت عبر عقود، لا يفاوض على وحدته الترابية، ولا يقبل بمنح
السيادة في صيغة إحسان سياسي. بل هو مستعد لبناء الجسور مع مدريد على أسس متينة، لكنه يرفض أن تقام تلك الجسور على حساب تاريخه أو كرامته.





