عبد القادر الفرساوي
مع اقتراب ذكرى رحيل الملك الحسن الثاني، تطفو على السطح مقالات تعاد تلاوتها كل عام، تقدم في بعض الصحف الأوروبية بأسلوب هزلي لا يليق برجل دولة، كعنوان ساقط قرأته مؤخرا يصفه بـ”الملك الحديدي الذي كان له حريم من 80 امرأة”، وكأننا أمام شخصية من قصص الجواري لا أمام ملك قاد بلاده في واحدة من أعقد مراحل التحول الجيوسياسي في شمال أفريقيا.
أراد كاتب المقال أن يبدأ من الهامش… فبقي فيه. استهل سرده بنبش خرافات مأخوذة من كتب صحفيين فرنسيين حاقدين، وراح يجملها بتفاصيل مثيرة للغريزة الصحفية الرخيصة: نساء، خدم، عطور، وأجنحة ملكية… لكنه لم يقل لنا شيئا عن الخطابات التي كانت تكتب في القصر لتُقرأ في التاريخ، ولا عن الصبر السياسي الذي حال دون سقوط المغرب في الفوضى كما حصل في دول الجوار.
لا جديد في هذا النوع من الكتابات. هي نفسها التي جاد بها من قبل جيل بيرو في كتابه “صديقنا الملك”، ومن بعده أقلام في الصحافة البريطانية والمنابر اليسارية المتطرفة، ممن أدمنوا التنقيب في القشور، بينما يعجزون عن فهم جوهر المرحلة، أو حتى مجرد الاعتراف بخصوصية بلد حافظ على استقراره في وقت كانت فيه الخرائط تمحى من على وجه الأرض.
لقد كان الحسن الثاني رجل دولة نادرا في زمن الاضطرابات. قاد بلاده في بحر متلاطم بين حرب باردة عالمية، ومؤامرات محلية، وأطماع انفصالية. لم يكن ملاكا، لكنه لم يكن طاغية كما يصفه بعض المهووسين بكراسي التنظير. بل كان سياسيا فذا، جمع بين هيبة السلطان ودهاء رجل القانون، بين صرامة العسكري وأناقة المثقف. وكان أول من تجرأ على فتح الباب نحو المصالحة الوطنية، قبل أن تتبناها حكومات لاحقة، وقبل أن تحذو دول أخرى حذو المغرب في الاعتراف بالماضي دون التنكر للدولة.
يؤسفني أن بعض منابر الإعلام الأوروبي ما زالت تنظر إلى المغرب بعدسات استشراقية؛ تصف حريما في القصر وتنسى الحشود التي نادت بالحسن الثاني في المسيرات، تصف القبضة الحديدية وتنسى المسيرة الخضراء، تصف الانقلابات وتنسى أنه نجا منها شامخا، حاميا للملكية والوطن.
من السهل جدا على كاتب مغمور أن ينحت مقالا مليئا بالتشكيك، يستعرض فيه أساطير عن جواري القصر وسجونه، ويتجاهل تماما كيف أن الرجل قاد بلاده من الاستعمار إلى السيادة، ومن الهشاشة إلى التوازن، وسط محيط مشتعل.
الحقيقة لا تتغير بتقارير هيومن رايتس ووتش أو ترّهات المواقع الحاقدة. بل تترسخ في وجدان الشعوب. واسألوا المغاربة من هو الحسن الثاني، لا في المقاهي ولا في صالونات النميمة الفكرية، بل في وجدان من عايشوه، وفي عيون من رأوا في جنازته يوما وطنيا بامتياز.
وسواء تعلق الأمر بالحسن الثاني، صانع الدولة وباني التوازن، أو بمحمد السادس، مهندس المغرب الجديد، ودرع الاستقرار في زمن التحولات الكبرى، فإن الحقد لا يهدأ، والنعيق لا يصمت.
فماذا يقولون اليوم عن ملك حمل على عاتقه ورشات الإصلاح، وجعل من المغرب قوة إقليمية، وحمى أوروبا وأفريقيا من كوارث أمنية وسياسية كانت ستجتاحهم لولا حنكته وتدبيره؟
الحقد باق، والافتراء يتكاثر… لكن القافلة تسير، والكلاب ستظل تنبح.
أما التاريخ، فلا يؤمن بالنهيق، بل بالمنجزات.





