السرد النسوي وكسر الطابوهات: الجسد كفضاء للمقاومة وإعادة تشكيل الذات

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم: وصــال مكوار

 

 

لم يعد السرد مجرد حقل أدبي محض، يعنى بحياكة الحبكات ورواية المغامرات وتصوير الشخصيات، بل أصبح حقلا وجوديا تتناسل داخله الأسئلة الكبرى المرتبطة بالهوية، الوعي، والتموقع الاجتماعي. وقد كان للسرد في هذا التحول دور جوهري في إخراج أصوات ظلت لقرون مقموعة، لا تجد سبيلا للتعبير عن نفسها إلا في الهوامش، أو عبر البكاء الصامت والبوح المجهض، ومن بين هذه الأصوات يبرز صوت المرأة، الذي ظل تحت هيمنة أنظمة أبوية وتقاليد ثقافية ذكورية، محصورا في خانة المفعول به، كموضوع مستهلك لا أكثر.
فعبر التاريخ الطويل للأدب العربي والعالمي، ظل الصوت النسائي خافتا إن لم يكن مغيبا، حيث اقتصر حضوره غالبا على التلقي، أو التمثيل الخارجي في نصوص يهيمن عليها الكاتب الذكر، وفي حالات نادرة، كانت المرأة تكتب، لكنها تكتب في حدود ما يسمح به الرقيب المجتمعي والأخلاقي والديني. ومن هنا كان السرد النسوي لحظة تحول نوعية، حيث قررت المرأة أن تكتب ذاتها، أن تروي معاناتها وتجربتها، وأن تتحول من موضوع إلى ذات فاعلة.
يصف محمد قاسم صفوري السرد النسوي بأنه “ذلك السرد الذي تكتبه المرأة متحررة من أغلال الأعراف الأدبية الذكورية، معتمدة فيه على تجاربها الذاتية، جاعلة همها الأول قضية المرأة وموضوعها في مركز النص الأدبي”، وهو تعريف لا يقتصر على الهوية البيولوجية للكاتب، بل يتعداها إلى طريقة الكتابة ومضامينها وأفقها التحرري، فليس كل ما تكتبه المرأة يعد سردا نسويا إذا كانت تستبطن النموذج الذكوري في النظر إلى نفسها والعالم، تماما كما يمكن لرجل واع أن يكتب سردا يناصر المرأة ويعيد لها إنسانيتها.
لقد أدركت الكاتبة العربية أن الجسد ليس مجرد مادة بيولوجية، بل هو بنية دلالية وثقافية تنتجها وتعيد إنتاجها السلطة الأبوية عبر التقاليد والدين واللغة، وعلى مر العصور لم يكن الجسد الأنثوي ملكا للمرأة، بل كان محكوما بالغير: نظرة الأب، رغبة الزوج، حكم المجتمع، ومؤسسة الشرف تحت مسمى الدين.
وقد صوِر هذا الجسد في الخطاب الأبوي على أنه موقع الفتنة والعار، والخطر الأخلاقي والديني، مما جعله موضع مراقبة صارمة بدءا من اللباس، وصولا إلى الحضور في الفضاء العام.
وفي هذا السياق، يأتي السرد النسوي كمحاولة واعية لتحرير هذا الجسد من التمثيلات الجاهزة، فلم تعد المرأة في الرواية مجرد موضوع للرغبة أو الضحية، بل أصبحت كائنا متكلما، واعيا، يعيد إنتاج صورته بنفسه ويكتب جسده لا بوصفه غريزة، بل بوصفه ذاكرة، تاريخا، ومعنى. ومن هنا تتحول كتابة الجسد إلى فعلٍ وجودي ومقاومة ثقافية.
من اللافت أيضا أن عددا من الروائيات العربيات، منذ نهاية القرن العشرين، اخترن أن يكتبن عن الجنس لا بوصفه إثارة، بل بوصفه تجربة وجودية تمثل جوهر معاناة المرأة تحت نير السلطة الذكورية. ولم يكتب الجنس عندهن كفضيحة أخلاقية بل كصرخة كينونة، كمحاولة لاسترداد السيادة على الذات. وقد ساعدت مرونة السرد الروائي بخلاف التكثيف الشعري، على الدخول في مناطق حساسة ومعقدة دون اختزال أو وعظ.
فنجد في روايات مثل “خارج الجسد” لعفاف البطاينة مثالًا على هذا الاقتحام الذكي والواعي؛ فبطلتها لا تكتفي بالتمرد على الزواج القسري أو سلطة الأب، بل تتجاوز ذلك إلى رفض بنية الأمومة المفروضة، والهوية الثقافية التي لم تخترها، وبالتالي يصبح الجسد هنا ميدانا لحرب داخلية وخارجية، حيث تعيد البطلة تشكيل ذاتها بعيدا عن الأسماء والعادات واللغة الموروثة، فهي لم تكتب قصة تحرر فردي فحسب، بل أعلنت قطيعة مع التاريخ الذكوري للجسد لتبدأ من جديد.
وبالتالي فإن النساء يكتبن عن أجسادهن لا لكي “يعرضنها”، بل لكي يحررنها من التشييء ومن الصمت، ومن التاريخ الذي تحدث عنهن ولم يتحدثن فيه على مر السنين، وهنا تصبح الكتابة نفسها جسدا بديلا: جسدا لغويا يستعيد ما صودر من الجسد الحقيقي، وهذا التحول من “جسد يُروى عنه” إلى “جسد يَروي نفسه” هو جوهر الثورة في الكتابة النسوية، فالمرأة لم تعد تنتظر أن يصفها الرجل أو يكتبها، بل صارت هي التي تصوغ صورتها، وتتحكم في معجم جسدها، وتمنح اللغة بعدا تحرريا جديدا.
إن أسماء مثل نوال السعداوي، وحنان الشيخ، وسلوى النعيمي، وحياة الياقوت، قدمن نموذجا لهذا النوع من الكتابة القوية، التي تخوض في تفاصيل الجسد لا لتصدم، بل لتكسر جدار الخوف، وتشهر الصوت المغيَب والمسكوت عنه، وهذه الكتابة لا تخضع لابتزاز الحياء الزائف، بل ترى أن العيب في الصمت، لا في البوح، في القمع، لا في الكشف، في الرقابة، لا في الجرح العلني.
إن كتابة الجسد في الرواية النسوية ليست مجرد لحظة إثارة، بل لحظة تفكيك للذات وإعادة بنائها. فالجسد يحمل الذاكرة: ذاكرة الطفولة المقموعة، الخوف من النظرات، الألم من الاغتصاب أو الختان أو القهر الزوجي. ولهذا فإن هذا الجسد لا يكتب بلغة محايدة، بل بلغة متوترة تنبض بالشعر حينا، وبالصرخة حينا آخر. هي باختصار لغة تخترق المقدس لتكشف المسكوت عنه طويلا.
وهكذا يتحول الجسد إلى فضاء رمزي ليكتب فيه التمزق والبحث عن الحرية، لا كترف بل كضرورة. إنها كتابة لا تخاف الدين ولا السياسة، بل تسائل رمزيتهما حين يتحالفان ضد الإنسان، خاصة حين يكون هذا الإنسان امرأة.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...