حرب رسوم جديدة بين الجارتين في أمريكا الشمالية

إيطاليا تلغراف متابعة

تحت “القسم 338” من قانون التعريفة الجمركية لعام 1930، فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الاثنين الماضي رسوما جمركية إضافية بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية، شملت منتجات الألبان والأسمنت وعصي الهوكي وغيرها، لتدخل حيز التنفيذ بعد 30 يوما من التوقيع عليها، حسبما صرح مسؤول في الإدارة الأمريكية.

وكانت بعض السلع المدرجة في القائمة محمية سابقا بموجب اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)؛ التي جاءت بإدراج بعض التعديلات على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، ومن المقرر أن تنتهي صلاحية العمل بها عام 2036 بعد أن قررت الولايات المتحدة عدم تجديدها.

ويوم الخميس الماضي، صرح مارك كارني، رئيس وزراء كندا، بأن أوتاوا مستعدة للرد على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على السلع الكندية حال فشل المفاوضات المكثفة الرامية للتوصل إلى اتفاق تجاري شامل.

وقال كارني: “نحن مستعدون لأننا ركزنا على الأمور التي تقع تحت سيطرتنا. وإذا دخلت هذه الرسوم الجمركية -أو تدابير أخرى- حيز التنفيذ، فهناك مجموعة واسعة من الإجراءات التي يمكننا اتخاذها في هذا الصدد”.

تعد العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا من بين الأكثر تكاملا في العالم، إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين تريليون دولار سنويا، وتتشابك سلاسل الإنتاج في قطاعات السيارات والطاقة والمعادن والزراعة والخدمات بصورة تجعل أي تغيير في السياسات التجارية ينعكس سريعا على جانبي الحدود

ووفقا لإدارة ترمب، جاء فرض هذه الرسوم ردا على ضريبة جديدة بنسبة 25% فرضتها كندا على السيارات والشاحنات الأمريكية، وهو إجراء اتخذته كندا بعد أن فرضت الولايات المتحدة رسوما مماثلة على مصانع السيارات الكندية.

وأعرب ترمب عن استيائه من السماح لمنتجي الجبن الأوروبيين بتصدير كميات أكبر إلى كندا مقارنة بالولايات المتحدة، ومن قيام مقاطعات كندية بسحب المنتجات الأمريكية من متاجر المشروبات الكحولية المملوكة للحكومة، وذلك حسبما أفادت صحيفة “نيويورك تايمز”.

وتعد العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا من بين الأكثر تكاملا في العالم، إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين تريليون دولار سنويا، وتتشابك سلاسل الإنتاج في قطاعات السيارات والطاقة والمعادن والزراعة والخدمات بصورة تجعل أي تغيير في السياسات التجارية ينعكس سريعا على جانبي الحدود.

ولذلك، لا تقتصر آثار الرسوم الجمركية المتبادلة على زيادة تكلفة بعض السلع، بل تمتد إلى إعادة تشكيل قرارات الاستثمار والإنتاج، وإلى زيادة حالة عدم اليقين التي تكرهها أسواق المال.

وتؤدي الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الكندية إلى رفع تكلفة الواردات بالنسبة للشركات الأمريكية التي تعتمد على المكونات والمواد الخام القادمة من كندا، كما تزيد تكلفة السلع الأمريكية بالنسبة للمستهلك الكندي عندما ترد أوتاوا بإجراءات مماثلة، وهو ما يضيف ضغوطا تضخمية في وقت لا تزال فيه البنوك المركزية تسعى لإتمام انتصارها على التضخم.

وقبل عامين، تسبب إضراب في إغلاق السكك الحديدية الكندية، ما أثار مخاوف كبيرة من تعطل الإمدادات على جانبي الحدود، وتسبب في نقصان بعض السلع في المتاجر الأمريكية القريبة من كندا، لكن الحكومة الكندية تدخلت سريعا، وانتهى الإضراب خلال فترة قصيرة نسبيا، وقبل أن تتطور الأزمة إلى نقص واسع النطاق في المتاجر الأمريكية.

ولا تعد هذه المواجهة التجارية الأولى بين البلدين، إذ شهدت العلاقات الأمريكية الكندية خلال العقود الماضية عدة نزاعات مماثلة، أبرزها الخلافات المزمنة حول صادرات الأخشاب اللينة (Softwood Lumber)، والنزاع حول رسوم الصلب والألمنيوم التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب عام 2018 بدعوى حماية الأمن القومي. وردت كندا وقتها بفرض رسوم انتقامية على مجموعة من السلع الأمريكية، قبل أن يتوصل الجانبان لاحقا إلى تسويات ألغت معظم تلك الإجراءات.

وتظهر هذه السوابق التاريخية أن النزاعات التجارية بين البلدين غالبا ما تبدأ بإجراءات أحادية، ثم تتطور إلى مفاوضات طويلة تنتهي بتنازلات متبادلة، غير أنها تترك آثارا مستمرة على ثقة المستثمرين وخطط الشركات.

وتتأثر أسواق المال عادة بمثل هذه التطورات، حيث تتسبب في ارتفاع مستويات التقلب، إذ يخشى المستثمرون من تراجع أرباح الشركات المعتمدة على التجارة العابرة للحدود، خاصة في قطاعات السيارات، والأخشاب، والألمنيوم، والطاقة، والسلع الزراعية.

كما أن الغموض بشأن مستقبل العلاقات التجارية يدفع المستثمرين إلى تأجيل بعض القرارات الاستثمارية، ويزيد من الإقبال على الأصول الدفاعية مقارنة بأسهم الشركات الصناعية والتصديرية.

التجارب السابقة بين واشنطن وأوتاوا تظهر أن الخلافات التجارية، مهما بلغت حدتها، تنتهي غالبا إلى حلول وسط تفرضها المصالح الاقتصادية المشتركة، لكن الثمن يكون دائما فترة من التباطؤ، وارتفاع التكاليف، وتراجع الثقة

وفي المقابل، قد تستفيد بعض الشركات المحلية التي تحل محل الواردات، إلا أن هذه المكاسب غالبا ما تكون محدودة مقارنة بالخسائر الناتجة عن ارتفاع التكاليف وتعطل سلاسل الإمداد.

وتبدو كندا هذه المرة عازمة على اتخاذ إجراءات انتقامية مدروسة، تستهدف قطاعات أمريكية ذات حساسية سياسية واقتصادية، كما حدث في نزاعات تجارية سابقة.

وقد تشمل هذه الإجراءات فرض رسوم جمركية مقابلة على سلع مختارة، أو اتخاذ تدابير تنظيمية تعزز المنتج المحلي، أو توسيع العلاقات التجارية مع شركاء آخرين مثل الاتحاد الأوروبي ودول آسيا عبر الاتفاقيات التجارية القائمة.

وربما تسعى الحكومة الكندية أيضا إلى تقديم برامج دعم مؤقتة للصناعات المتضررة، وتحفيز الاستثمار المحلي، وتشجيع تنويع الأسواق التصديرية لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية. ومع ذلك، تبقى قدرة كندا على الانفصال الاقتصادي عن الولايات المتحدة محدودة، نظرا لحجم التشابك التجاري والجغرافي بين البلدين.

وعلى الجانب السياسي، تثير هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، التي صممت أساسا لتوفير إطار مستقر للتجارة والاستثمار في أمريكا الشمالية.

فاللجوء المتكرر إلى الرسوم الجمركية والإجراءات الأحادية يضعفان الثقة في الاتفاقية، حتى وإن بقيت سارية من الناحية القانونية. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة ضغوطا متزايدة لإعادة التفاوض حول بعض بنودها، أو لتفعيل آليات فض النزاعات المنصوص عليها فيها بصورة أكثر فاعلية.

ويظل انهيار الاتفاقية احتمالا ضعيفا في المدى المنظور، لأن اقتصادي البلدين يرتبطان بعلاقات إنتاج واستثمار يصعب فكها دون تكلفة مرتفعة على الطرفين. لذلك، يرجح أن تستمر مرحلة من الشد والجذب السياسي، تتخللها مفاوضات وتسويات مؤقتة، مع بقاء الرسوم الجمركية ورقة ضغط تستخدمها الحكومات لتحقيق أهداف تفاوضية أو سياسية داخلية.

وفي كل الأحوال، لن يكون الرابح الحقيقي هو الطرف الذي يفرض رسوما أعلى، بل الطرف القادر على استعادة بيئة مستقرة، يمكن للشركات والمستثمرين أن يخططوا في ظلها بثقة.

فالتجارب السابقة بين واشنطن وأوتاوا تظهر أن الخلافات التجارية، مهما بلغت حدتها، تنتهي غالبا إلى حلول وسط تفرضها المصالح الاقتصادية المشتركة، لكن الثمن يكون دائما فترة من التباطؤ، وارتفاع التكاليف، وتراجع الثقة، وهي عناصر لا يحتاجها اقتصاد عالمي يواجه أصلا تحديات النمو والتضخم والتحولات الجيوسياسية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...