عبد القادر الفرساوي
في زمن لم يعد للدم فيه قيمة، يعاد تشكيل خريطة العالم من جديد، لكن هذه المرة، لا بالحبر، بل بالرماد. ليل تلو آخر، يقصف فيه شعب، وتباد فيه ذاكرة، وتمحى فيه مدن. بالأمس، انطلقت الطائرات الإسرائيلية، محمولة على جناح استخبارات عابرة للحدود، لتضرب عمق إيران، في ضربة لا تقرأ فقط على شاشات الرادارات، بل تكتب بين سطور النظام العالمي الجديد، الذي لم يعد يخجل من ملامحه القبيحة.
ما جرى لم يكن مجرد قصف، بل إعلان غير مباشر أن السيادة وهم يمنح ويسحب بإشارة من واشنطن، وأن “الردع” بات ملكا حصريا لإسرائيل، وأن المنطقة تقاد كما تقاد القطعان نحو المسلخ، بشيء من الطمأنينة المضللة والوعود المؤجلة.
الإعلام الأمريكي نقل تفاصيل العملية بثقة العارف والمشارك، وتجنبت واشنطن الإدانة، كما تفعل دائما٠ حين تكون إسرائيل هي الفاعل. اكتفت بلغة دبلوماسية باردة تدعو إلى “ضبط النفس”، تماما كما تفعل كل مرة تسيل فيها الدماء شرق المتوسط. أما في الكواليس، فالتنسيق قائم، والمعلومات مشتركة، والخطط تراجع تحت الأضواء الخافتة لغرف الحرب.
من خلف الزجاج العازل للواقع، تراقب أوروبا مشهدا تعرف نهايته، لكنها لا تملك من أمرها إلا الاستنكار. فرنسا تحذر، وألمانيا تدعو، وبريطانيا تصف الضربة بـ”التطور الخطير”، لكن أحدا منهم لا يجرؤ على كبح الغول. ليس لأنهم عاجزون، بل لأنهم شركاء صامتون، يستثمرون في الخراب باسم الاستقرار.
في الضفة الأخرى، تصرخ إيران وتتوعد، تطلق طائرات مسيرة لا تصل، وتعلن بيانات عسكرية لا تغيّر شيئا في ميزان القوى. الرد قادم؟ ربما. لكنه لن يكون بحجم الذل. وكما في كل مرة، سيتحول الرد إلى مادة إعلامية، وذريعة لرد آخر، في دوامة لا تنتهي، لأن الحرب، حين تصبح خيارا يوميا، لا تحتاج إلى مبررات.
ووسط كل هذا، تنظر الشعوب العربية من وراء حجاب العجز، تتساءل: ماذا يحدث؟ أإيران التي كانت تمطرنا بشعارات الثورة والممانعة، تُضرَب في عقر دارها، وتكتفي بخطاب على منبر رخ؟ أإسرائيل التي كانت تخشى فتح جبهات جديدة، باتت تفتحها كلها دفعة واحدة؟ وأمريكا، تلك التي كانت تدعي القيادة الأخلاقية، تشرف على إعادة هندسة الخرائط تحت ستار “الأمن القومي”؟
في خضم هذه الأسئلة، تولد الإجابة المرة: هناك نظام جديد يصاغ، لا مكان فيه للضعفاء، ولا سيادة فيه إلا لمن يحمل سلاح التفوق المعلوماتي والاقتصادي والتكنولوجي. حرب ناعمة، تدار من فوق، حيث الطائرات دون طيار، وحرب خفية، تدار من تحت، حيث البورصات، والخلايا الإلكترونية، والأقمار الاصطناعية و المسيرات.
لقد تغير كل شيء: لم تعد المعارك تخاض من أجل الأرض، بل من أجل السردية. لم تعد الجيوش هي التي تنتصر، بل من يكتب التاريخ ويصدر النشرات العاجلة ويحدد من هو “الإرهابي” ومن هو “المتحضر”.
إسرائيل لم تعد فقط دولة تحسن القتال، بل أصبحت ركيزة في مشروع السيطرة الناعمة على الشرق، تقود محورا استخباريا وتكنولوجيا واقتصاديا يمتد من تل أبيب إلى بعض العواصم العربية التي كانت تفاخر بالمقاومة.
أما واشنطن، فقد قررت منذ سنوات أن الحلفاء الجدد ليسوا من يحكمون شعوبهم بعدالة، بل من يضمنون مصالحها دون مساءلة. وهكذا، أصبح التطبيع وساما، والخنوع حكمة، والممانعة جريمة.
العالم يعاد ترتيبه. خارطة القوة تعاد صياغتها، وفق معايير لا علاقة لها بالقانون الدولي، بل بمصالح السوق، وحماية التكنولوجيا، وضمان التفوق لمن يملكون أدوات الذكاء الاصطناعي والسيطرة على المعلومات.
في هذا المشهد المأزوم، يبدو العرب كأنهم يعيشون على هامش رواية لم يعودوا جزءا من حبكتها. تتوزع مواقفهم بين متفرج يكتفي بالتنديد، ومطبّع يتمنى أن لا تطاله الشظايا، وثالث غارق في حروب داخلية نسيت أصل القضية.
إنها ليست مجرد ضربة جوية، بل صفعة تاريخية. تذكير قاس بأن العالم لم يعد كما كان. تذكير بأن من لا يملك قراره، لا يملك مصيره. وأن العواصم التي تظن أنها في مأمن من القصف، قد تكون غدا مجرد عنوان في تقرير استخباري.
وربما لم يفت الأوان بعد، لكن الساعة تمضي. التاريخ لا ينتظر من يتأمل، بل ينصف من ينهض. وما أكثر الشعوب التي أضاعت فرصتها حين استبدلت الوعي بالهتاف، والصبر بالاستسلام، والكرامة بوهم الأمن.
إننا لا نعيش فقط على حافة حرب، بل على حافة معنى. معنى أن نكون، أو أن يعاد تشكيلنا من جديد، كما تشكلت شعوب أُخرى في مختبرات القوة. فإما أن نستعيد زمام الحكاية، أو نكتب فيها كهوامش مهملة في كتاب يرويه الأقوياء، ويترجم بلغات لا تحمل أسماءنا.
هذه ليست نبوءة، بل صرخة. صرخة من تحت الركام، من خلف الضجيج، من قلب السؤال الذي لم يسأل بعد: هل ما زال فينا من يرفض أن يحكم بهذا الشكل؟ وهل ما زال في هذا الشرق ما يستحق الحياة، لا فقط الذكرى؟





