رياض خليف
كاتب تونسي
يأخذ الزّمن في الشعر العربي الكلاسيكي صورة المعادي للشاعر ولأحلامه، فكثيرا ما نظم الشعراء قصائد وقفوا خلالها مشتكين، باكين من الزمن وفعله، فلم تكن علاقة الشاعر العربي بالدّهر على أحسن ما يرام. ولعلّ التوجّع من الزّمن يحيل في حقيقة الأمر على توجّع من عصر بأكمله، وعلى حالة اغتراب يقاسيها الشاعر من قومه، وهذا ما تبوح به الكثير من قصائد الشعراء العرب على غرار المتنبي وأبي العتاهية وابن زيدون وغيرهم. فالشاعر العربي يسقط غضبه على الزمن.
هذه الشكوى يعيدها إلى ذهني ديوان الشاعر عبد العزيز الهمامي، وهو الديوان الخامس في تجربته الشعريّة، وقد حمل عنوان «ما بقي من حجارة النهر « وضمّ
جملة من القصائد مختلفة الحجم تتراوح بين المطولات والومضات التي خصها بركن من الديوان ، ويغلب عليها الطابع العمودي الذي يتمسك به الشاعر ويجعله عنوانا لتجربته. ويبدو الزمن موضوعا من مواضيع هذا العمل وهاجسا من هواجسه فشكواه تطفو على هذا العمل وتتوزع على مختلف القصائد.
هذا الموقف من الزمن قد نستشفّه من العنوان وتحديدا من عبارة « ما تبقى»، فالزمن أخذ الكثير من الأشياء، ولعلّه التهم ذاكرة جميلة، ولعلّ هذا العنوان المنحوت من مثل شعبي تونسي يوحي بهذه السيرورة الزمنية، سيرورة زوال الأشياء…
هذا الاستنتاج يترجمه المتن الشعري، فعلى المستوى المعجمي يرد الزمن بتسميات مختلفة على غرار الوقت، الدهر، الزمن ، وتحضر بعض أوقاته مثل الصبح والمساء والظلام… وهو ما ينبّه إلى كونه من مفاتيح هذا الديوان. ولكنّ دراسة هذه الاستعمالات اللغويّة تكشف عن حالة الشكوى المستمرة.
فإذا نحن أمام توتّر علاقة الشاعر بالزمن الذي يسير بالشاعر إلى مزيد من الغربة، ويلقي به في أرض يباب:
« طاف بي الوقت وألقاني بأرض/ لم أذق فيها شرابا أوطعاما
حيث يممت طرفي نحو ذاتي/ لم أر الخيل ولم أبصر نشامى»
إنّ الشاعر بهذه الصورة يجعل الزمن فاعلا مسببا لغربته و لتيهه. ولعل مفردة الوقت تحيل على عصر بأكمله يؤلم الشاعر.
وليس الزمن موجعا للشاعر فحسب بل هو زمن يفتقد المعنى والمصداقية، فهو موسوم بالتفاهة:
زماننا لم يعد يخفي تفاهته/ فكيف يسعد من للإثم يستبق»
ولعله زمن غير جدير بالثقة، زمن نفاق وكذب:
« مازلت يا صاحبي بالدهر لا أثق/ فبعضه كذب وبعضه قلق «
وهو زمن يتسم بالغربة والخيبة:
يا أيها الزمن الغريب عيوننا
تاهت ولم تر وردة أو سنبلة
ولا يكتفي الشاعر بلعن الزمن وإبراز مساوئه ومظالمه، بل يخاطبه معاتبا، محتجا على ما فعله:
« كيف يا دهر قدحت النار فينا
واقترفت الذنب من عود ثقابك
كيف ضاعت مدن المجد بعيني
ونأى العشاق عن نور قبابك «
ولعل الشاعر يبدو في هذا المجال يعبّر عن الهم الجماعي، همّ ضياع مجد هذه المدن العربيّة وأزمة التاريخ المجيد الذي قادنا إلى لحظات مربكة.
وكيف أصبحت الأيام تجرخنا
وصار تاريخنا في الوحل منكسرا
هذا الزمن المغضوب عليه يقابله زمن أخر هو زمن الذكرى فتحمل بعض الأبيات احتفاء بالماضي وما فيه من أطلال وأمجاد…
فترد مقاطع تحيل على الماضي وعلى الذاكرة السعيدة (أتذكر منذ نعومة أظافري/ هذا الظل المائل نحوي // لم أنس فيها ذكريات طفولتي…) بل تلوح الذاكرة في عناوين مختلفة مثل من ذاكرة الزمن و ذاكرة الغيم…
ولعل هذا يدفعنا إلى القول إنّ بنية الزمن عند عبد العزيز الهمامي تفاعل بين زمن مجيد انقضى هو زمن الذات وزمن المدينة وزمن البلاد العربية قاطبة من جهة وزمن حاضر هو زمن الإحباط والألم فنحن أمام زمن منشود وآخر مشتكى به لكن قصائد الشاعر تلوح بزمن جمالي وفني، تصنعه الكتابة الشعرية. هو زمن مؤنسن لغاية جمالية، يعطيه الشاعر من أفعال الإنسان وأشيائه وصفاته على غرار ما نجده من صور لليل والصبح. فالليل يأخذ الصفات والأشياء والأفعال الإنسانية فهو أعمى وهو أيضا له معطف ويشعر بالتعب ويفتح الأبواب:
(الليل أعمى ولكن الصبح يرى /// وأنا في معطف الليل/والليل متعب/
الليل يفتح للأحبة بابه)…
صفوة القول إنّ صورة الزمن التي تقتحم هذا العمل وتلفت الانتباه إليها مدخلا من مداخله تحمل ثلاثة أبعاد: بعد التذكر وبعد الشكوى والبعد الجمالي.وتلك علاقة الشاعر العربي بالزمن، علاقة تتلون وتتطوّر وتتبدّل، فكأنّ الشاعر العربي يلقي مشاعره وأحاسيسه وشكاويه على الزمن. ولعل عبد العزيز الهمامي يقف في هذه اللحظة الفارقة معبرا عن قلق كثير الأوجه وحيرة داخل مدينته ذات التاريخ والمجد التي تغنى بها كثيرا…





