الإيروتيكا بين الجمال والتابو: مقاربة فلسفية جمالية في خطاب الجسد العربي والغربي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم: وصال مكوار

 

 

لطالما شكل الجسد في الأدب محورا إشكاليا، تتقاطع فيه تمثيلات الهوية والرغبة والسلطة، وتتقابل عنده مساحات الجمال والتابو، ويبرز خطاب الإيروتيكا بوصفه أحد أكثر الخطابات الأدبية تعقيدا وإثارة للجدل، ليس فقط لأنه يقترب من حدود الممنوع، بل لأنه يعيد مساءلة العلاقة بين الجسد واللغة، بين المتعة والمعنى، وبين الفن والأخلاق. ففي الوقت الذي حظيت فيه الإيروتيكا بمكانة معتبرة في النقد الجمالي الغربي، باعتبارها جزءا من تيارات الرومانسية المظلمة Dark Romanticisme وتعبيرا عن حساسية فنية وجودية، لا تزال هذه الكتابة تقابل في السياق العربي بالتهميش الأكاديمي والتوجس الثقافي، نتيجة لهيمنة أنساق دينية واجتماعية محافظة.
فالإيروتيكا ليست كتابة عن الجسد فحسب، بل هي استعادة شعرية وفلسفية لعلاقة الإنسان بجسده، بلغة لا تنزلق إلى المباشرة، ولا تتورط في الابتذال لأنها كتابة تنشد المعنى داخل المتعة، وتعيد إنتاج الجمال من عمق الرغبة، فالكلمة الإيروتيكية تمشي دائما على حد السكين: قريبة من الفضيحة لكنها لا تسقط فيها؛ تلوح بالممنوع دون أن تفضحه؛ تشتغل على التورية والإيماء، لا على الوصف الفج.
إن الإيروتيكا ليست تمرينا على الشهوة، بل على تفكيك علاقتنا بالشهوة، وتحويل الجسد من كيان بيولوجي إلى رمز ثقافي، ومن أداة غريزية إلى موضوع جمالي وفلسفي، ولهذا ترتبط الإيروتيكا بأسئلة تتجاوز الجنس: الذات، الحرية، السلطة، الهوية، الاغتراب.. فتعتبر مشروع أدبي وفكري ينحت من الجسد لغة، ومن الرغبة تفكيرا، ومن اللذة مساءلة.
في هذا السياق، لا تتمايز الإيروتيكا عن البورنوغرافيا من حيث الموضوع، بل من حيث المقاربة. فالبذاءة تخلق الإباحة، أما الذوق الرفيع فيخلق الفن. الإيروتيكا تراهن على الخيال والتأويل، بينما البورنوغرافيا تغلق المسافة بين العين والرغبة. الأولى تُحرك الوعي، أما الثانية ترضي الغريزة. وبالتالي الإيروتيكي لا يصف الجسد بقدر ما يجعله يتكلم، أما البورنوغرافي فيجرده من المعنى ويحوله إلى سلعة رخيصة.
هذا التوتر بين الفن والابتذال، بين الجسد كمجال للتأمل والجسد كموضوع للاستهلاك، هو ما جعل الإيروتيكا موضع سجال فلسفي وجمالي طويل. فبينما رأى كانط وشوبنهاور أن الجمال الحقيقي يجب أن يكون خالصا من الرغبة، وأن كل ما يحرك الإرادة يخرجنا من حالة التأمل الفني، طرح نيتشه مفهوما مضادا، حيث أن الجمال ينبثق من الرغبة ولا ينفصل عنها لأن الجمال عنده ليس حيادا بل توتر شغوف، والفن تجسيد للجسد لا يمكن إنكاره.
ففي الفلسفة الجمالية المعاصرة، لم يعد الجسد نقيضا للعقل، ولا الرغبة نقيضا للقيمة، بل صار النظر إلى الإيروتيكا مدخلا لفهم الفن نفسه بوصفها تحررا من الثنائية السطحية بين الروح والجسد، وفي هذا المنظورتصبح المتعة تجربة معرفية والجسد حقلا للمعنى، والإيروتيكا خطابا يتقاطع فيه الشعري بالفلسفي و الحسي بالوجودي.
لكن هذا العمق الفلسفي لا يجد بالضرورة صداه في السياق العربي، حيث الإيروتيكا لا تزال تُعامل كمادة مريبة، وينظر إليها غالبا بعين الريبة الأخلاقية وليس النقدية، بالرغم من وجود تراث إيروتيكي عربي غني في الأدب القديم كـ ” الروض العاطر”، ” نواضر الأيك” ،” تحفة العروس”، “مفاخرة الجواري والغلمان”، وغيرها من الكتب الكثيرة والقديمة في علم الباه ، إلا أن الرواية العربية الحديثة اقتربت من هذا النوع الأدبي على استحياء وبخطوات متقطعة، فالنصوص التي تلامس الجسد تظل محاصرة بين ثنائية الاتهام والاستثناء، وتواجه بردود فعل اجتماعية ودينية تضغط على الكاتب والقارئ معا.
هذا النفور من الإيروتيكا لا ينعكس فقط في الكتابة، بل يتجلى بوضوح في المؤسسة الأكاديمية العربية التي تنأى بنفسها عن دراسة هذا الحقل، حتى ضمن المقاربات الأدبية أو الجمالية. حيث لا يعود ذلك إلى نقص في القيمة الأدبية، بل إلى رقابة معرفية تمارسها المؤسسات على ما يعد “جديرا بالدراسة”، فالإيروتيكا تقصى من المناهج الجامعية لأنها تربك المنظومة المحافظة، وتفضح هشاشة تصورنا للمعرفة كفعل تطهيري، لا كمساءلة حرة. في الوقت الذي تدرس فيه الإيروتيكا في الجامعات الغربية ضمن تيارات نقدية معتبرة مثل “الرومانسية المظلمة”، ويتم التعامل معها كأدب حدودي يعالج ثنائية الموت واللذة، بينما تدفن معنا في هامش الأدب المحظور، وكأن الجسد لا يحق له أن يفكر أو يعبر عنه بلغة الجمال.
غير أن الرواية العربية، ومنذ السبعينيات على وجه الخصوص، بدأت تفتح ثغرات في جدار الصمت، عبر أعمال طرحت الإيروتيكي ليس كوصف للمتعة، بل كتفكيك لهوية ثقافية قائمة على الرقابة والكبت، فالرغبة هنا لم تكن نقيضا للأخلاق، بل ساحة لاختبارها، وتمزيق أقنعتها الزائفة. والجسد لم يكن موضوعا للفتنة بل كان ولا يزال موضوعا للمعرفة، والمعركة لم تكن مع الجسد، بل مع السلطة التي تحتكره وتدجنه.
في النهاية، لا تختزل الإيروتيكا في ما تثيره بل فيما تكشفه، فهي مرآة معقدة للوعي الجمالي والثقافي لأنها تعكس كيف نرغب..ومتى نخاف.. وما الذي نخفيه حين نتحدث عن الجسد، لأنها ليست شكلا أدبيا هامشيا، بل أداة نقدية تفضح المسكوت عنه، وتضعنا وجها لوجه مع أسئلتنا الأكثر حميمية: من نكون.. حين نحب؟ وماذا نبقى.. حين نتعرى؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...