من التعليمات الشفوية إلى التعليمات الكتابية في الفعل الإداري المغربي: مساءلة السلطة وبناء دولة الحق بالقانون

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

• الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار (*)

 

 

في الدولة الحديثة، لا تُمارَس السلطة من خلف الستار، بل تُمارَس في العلن، أمام القانون، وبواسطة الوثائق لا الأهواء. غير أن جزءًا كبيرًا من الممارسة الإدارية المغربية لا يزال يخضع لسلطة غير مرئية: سلطة التعليمات الشفوية. أوامر تمرّر في غياب التوثيق، وتُنفَّذ في ظل تغييب المسؤوليات، وحين تقع المحاسبة، يتنصل الجميع، إلا من كان الأضعف.
هذا الواقع يطرح إشكالات جوهرية: هل يمكن أن تُبنى دولة الحق بالقانون، بينما ما تزال إدارتها تُدار بالشفوي؟ من يحمي الموظف من “التعليمات غير المكتوبة”؟ لماذا تهاب السلطة في المغرب التوثيق؟ وهل نعيش في ثقافة تفضّل الولاء على النص، والتبعية على المسؤولية؟
سنحاول في هذا المقال مساءلة هذا الإشكال بنيويًا، وتركيبيًا، وجدليًا، عبر تحليل أبعاده وتجلياته في الفعل الإداري المغربي، واقتراح مسارات للخروج من منطق التواطؤ الصامت إلى أفق الشفافية المؤسسة بالقانون.
1. الشفوية كآلية لإخفاء الفعل السلطوي
الإدارة المغربية، رغم التحولات التشريعية العديدة، ما تزال تحافظ على منطق “الشفوي أولًا”، خاصة حين يتعلق الأمر بالقرارات الحساسة، أو تلك التي تنطوي على تجاوزات محتملة.
لكن، ما الذي يجعل الشفوية خيارًا مفضلًا لدى بعض المسؤولين؟ الجواب واضح: غياب الأثر. فحين يُصدر مسؤول أمرًا شفويًا، يُحرّر نفسه من أي التزام قانوني. وإن ساءت النتائج، يسأل مرؤوسه ببرود: “من كتب إليك حتى فعلت هذا؟”.
وهذا يعيدنا إلى السؤال البنيوي: هل الإدارة تشتغل بالقانون، أم تشتغل بمنطق التملص من القانون؟ عندما يُصبح الشفهي بديلاً عن الكتابي، فإن السلطة تتحول من نظام مسؤول إلى شبكة غموض، ومن المساءلة إلى الإفلات من العقاب.
2. الموظف كضحية: من منفذ إلى كبش فداء
في كل منظومة تهيمن فيها الشفوية، الموظف المتوسط أو الصغير هو الضحية الأبرز. يُطلب منه تنفيذ تعليمات، غالبًا ما تكون متعارضة مع القانون، دون أن يحصل على أي وثيقة تحميه. وإن وقعت أزمة، يُترك وحيدًا، في مواجهة مؤسسات تقول له: “أين الإثبات؟”.
وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل نُحمِّل الموظف المسؤولية لأنه لم يطلب التوثيق، أم نُدين النظام الذي لا يُنتج وثيقة أصلاً؟
ما نعيشه في الواقع الإداري المغربي هو مفارقة صادمة: الموظف يُحاسب على تنفيذ الأوامر، بينما من أصدرها لا يُسأل لأنه لم يكتبها.
3. الدولة ككيان شفوي: حين تَضعف المؤسَّسة ويقوى الفرد
التعليمات الشفوية ليست مجرّد أداة عملية، بل مؤشر ثقافي عميق. إنها تكشف عن هشاشة البُعد المؤسّسي في الدولة، وعن هيمنة منطق “الشخصنة” على منطق “النص القانوني”.
في كثير من القطاعات العمومية، لا يسري القانون كما هو مكتوب، بل كما يفسّره المسؤول، وكما يوجّه به هاتفيًا أو عبر “الكواليس”.
إذن، نسأل: هل نحن إزاء إدارة قانونية، أم إزاء مشيخة بيروقراطية؟
دولة القانون لا تبنى بتعليمات شفوية، بل بقرارات مؤطرة، قابلة للتعقب والمراجعة والمحاسبة.
4. بين الاستثناء المشروع والانفلات المنهجي: الشفوية كضرورة مؤقتة لا كقاعدة عامة
رغم ما سبق من نقد جذري للتعليمات الشفوية، فإن الإنصاف العقلي والإداري يقتضي الإقرار بوجود حالات استثنائية وموضوعية قد تبرر اللجوء المؤقت للتعليمات الشفوية، كحالات الاستعجال، والخطر الداهم، والقوة القاهرة، حيث لا يكون من الممكن ـ عمليًا وزمنيًا ـ الرجوع إلى الكتابة دون ضياع الفرصة أو تعريض المرفق العام أو المواطنين للخطر.
لكن الإشكال لا يكمن في الاستثناء المشروع ذاته، بل في تحوّل هذا الاستثناء إلى ذريعة دائمة ومطاطة، يتم توظيفها لتبرير الانفلات من المسؤولية، وتمييع مبدأ التوثيق الإداري.
لذلك نطرح هنا السؤال المحوري: كيف نضمن أن تظل التعليمات الشفوية في حدودها الدنيا، المبرّرة، والمقيدة، ولا تتحول إلى نمط إدارة موازٍ؟
إن الجواب يكمن في اعتماد آليات عقلنة وضبط للاجتهاد الإداري، من بينها:
1- إلزام كل مسؤول، عند إعطاء تعليم شفهي لضرورة استعجالية، بـتدوين ملحق لاحق يشرح السياق الاستعجالي والأمر المعطى.
2- منح الموظف الحق في طلب التوثيق لاحقًا لتغطية مسؤوليته، دون أن يُعتبر ذلك خروجًا عن الانضباط.
3- التنصيص في القانون الإداري على حالات دقيقة ومحصورة تتيح الشفوية المؤقتة، مع ضبط آثارها ومداها الزمني.
بهذا التصور، نحمي الإدارة من الجمود الشكلي، ولكن نحميها أيضًا من العبث الشفوي. فدولة القانون لا تنكر الحاجة للمرونة، لكنها لا تسمح أبدًا بتحويلها إلى مدخل للفوضى.
5. نحو ثقافة قانونية إدارية: الانتقال من الطاعة إلى الامتثال
الفرق بين الموظف في النظام التقليدي والموظف في دولة القانون هو التالي:
1. في النظام التقليدي، يُطلب منه الولاء والطاعة العمياء.
2. في الدولة الحديثة، يُطلب منه الامتثال الولاء والطاعة للقانون لا للشخص.
لكن، هل أُعدّ الموظف المغربي ثقافيًا ونفسيًا ليُفكر بهذه الطريقة؟
لكن هل التكوين الإداري يعلّمه أن يسأل عن سند القرار قبل تنفيذه، أم أن ثقافة “نفّذ ثم ناقش” ما تزال مهيمنة؟
إن تربية المسؤولين والموظفين على احترام الوثيقة، واعتبار الكتابة ضمانة وليس تهديدًا، هو أول شرط للانتقال من منطق التعليمات إلى منطق الحقوق.
6. ترسيخ ثقافة القانون عبر معايير التعيين وتدبير المسؤولية
إن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تعديل السلوك الإداري اليومي، بل يرتبط جوهريًا بمنظومة القيم والمعايير التي تحكم الولوج إلى الوظائف العامة، وخاصة مناصب المسؤولية. فالاختلال في منطق التعليمات الشفوية لا ينفصل عن واقع التعيينات غير القائمة على الاستحقاق والكفاءة، بل على الولاء الشخصي والانتماء السياسي أو الزبوني.
من هنا، تطرح الممارسة سؤالًا حرجًا: هل يمكن لمسؤول عُيِّن خارج منطق الكفاءة، أن يؤمن فعلًا بثقافة القانون والشفافية؟
الجواب يكاد يكون بديهيًا. فمن تربّى على منطق التعيين بالولاء، سيحكم بالشفوية، ويتهرّب من التوثيق، ويفضّل الطاعة العمياء على المساءلة المسندة بالنصوص. ولذلك، فإن ترسيخ مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية في التعيينات، كما ينصّ على ذلك الدستور المغربي، هو أحد الشروط الجوهرية لتحصين الإدارة من العبث الشفهي، وبناء دولة القانون من الأعلى إلى الأسفل.
ويُضاف إلى ذلك بعدٌ آخر لا يقل أهمية: الإسهام في إشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وتخليق الحياة الإدارية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مرتكزات أكد عليها الدستور المغربي لسنة 2011 في ديباجته وفصله الأول، الذي ينص على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس: فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.”
إن هذه القيم ليست شعارات أخلاقية فحسب، بل هي أساس قانوني ومرجعي يجب أن يُترجم في الممارسة الإدارية اليومية، بدءًا من أسلوب إصدار التعليمات، مرورًا بطريقة اتخاذ القرار، وصولًا إلى محاسبة من أخلّ بالقانون أو أساء استعمال السلطة.
• استنتاجات عامة:
لكي ننتقل من ممارسة سلطوية غامضة إلى ممارسة شفافة ومسؤولة، نقترح:
¬ تجريم التعليمات الشفوية في المسائل الجوهرية، عبر نصوص واضحة في القانون الإداري المغربي.
¬ خلق منصة وطنية إلكترونية لتوثيق التعليمات الإدارية، يسجَّل فيها كل أمر صادر عن مسؤول رفيع.
¬ حماية الموظف الرافض لتنفيذ أوامر غير مكتوبة أو خارقة للقانون، قانونيًا ومؤسساتيًا.
¬ إدماج ثقافة التوثيق والمسؤولية في التكوين الأساسي والمستمر للموظفين.
¬ تحديد مجال الشفوية بدقة زمنية وموضوعية، كاستثناء ظرفي لا كآلية ممنهجة.
هذه الإجراءات ليست نظرية، بل قابلة للتنزيل العملي، وتوفر إطارًا واضحًا لمحاربة الفساد، وترسيخ دولة القانون، وضمان حقوق الموظفين والمواطنين.
• خلاصة:
ليست الكتابة مجرد وسيلة إدارية. إنها فعل أخلاقي ومؤسسي، لأنها تُحمل صاحبها المسؤولية، وتُعيد الفعل إلى دائرة العدل. وحين يتحوّل شعار كل مسؤول وموظف إلى: لن أنفّذ إلا ما كُتب لي كتابة، وفي حدود ما يسمح به القانون، آنذاك نكون قد بدأنا فعليًا في بناء دولة الحق بالقانون لا دولة المزاج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقتطف من كتاب الدكتور عبد الله شنفار: الادارة المغربية ومتطلبات التنمية؛ دراسة سوسيو قانونية وتحليلية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية الرباط العدد 19. سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، سنة 2000.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...