غزة تحت الحصار والنار: حين يُقتَل الجوعى ويصمت الجوار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم بايطاليا

 

في واحدة من أكثر صور البشاعة تجليًا، استهدفت القوات الإسرائيلية المدنيين في غزة أثناء انتظارهم للمساعدات. 67 شهيدًا، غالبيتهم من النساء والأطفال، سقطوا على أبواب الموت وهم يلاحقون شاحنات الغذاء… لا فرار من الجوع، ولا أمان في الانتظار.

ما يحدث اليوم في غزة لم يعد مجرد “عدوان” أو “حرب”، بل إبادة منهجية تستهدف البشر والحجر، وتجويع مُخطّط لمعاقبة المدنيين على بقائهم أحياء. حصار مطبق، مستشفيات بلا دواء، مدارس تتحول إلى مقابر جماعية، وعالم عربي يغرق في صمته أو تواطئه.

أن يُقتل الناس في طوابير الخبز والماء، فذلك يتجاوز كل الخطوط الحمراء. ليس هناك من تفسير “عسكري” أو “أمني” يمكن أن يبرر ضربات مدفعية أو رصاصًا حيًا على من ينتظرون شاحنات مساعدات. ما حدث في غزة جريمة حرب كاملة الأركان، والعالم يتفرج.

ملايين اللاجئين الفلسطينيين محاصرون في مساحة لا تتجاوز 365 كلم²، لكن أبواب المعابر موصدة. الدول المجاورة لغزة، التي تمتلك القرار والإمكان، تكتفي ببيانات باهتة وشعارات دبلوماسية باردة. لم يُفتح معبر آمن دائم، لم تُنشأ ممرات إنسانية مستقرة، ولم يُمارَس ضغط حقيقي لوقف القصف.
السؤال هنا ليس فقط عن دولة الاحتلال وجيشها، بل عن الدول التي ترى الدماء ولا تتحرك، تسمع صراخ الأمهات ولا تفتح حتى نوافذ المساعدة.

المفارقة المأساوية أن المجتمع الدولي يواصل عقد مؤتمرات “السلام”، ويصدر بيانات “القلق”، لكن لا حصانة تمنح للأطفال، ولا حماية للمستشفيات، ولا شرايين غذائية آمنة. كل الأعراف سقطت، وكل المنظومات الأخلاقية تصدعت تحت ركام غزة.

حتى الجاليات العربية في أوروبا، وخاصة مغاربة العالم، يتابعون هذه المجازر بمرارة وغضب. المسيرات في باريس، روما، مدريد وغيرها، تعكس مدى الرفض الشعبي للتواطؤ الدولي. المغاربة والعرب في الخارج لا يصمتون، ويطالبون بتحرك فوري يرقى إلى مستوى الجريمة التي تُرتكب في غزة.

وعلى امتداد التراب المغربي، ومنذ السابع من أكتوبر، لم يهدأ صوت الشارع. في كل مدن المغرب، من الرباط إلى الدار البيضاء، ومن مراكش إلى طنجة، يخرج عشرات الآلاف بشكل متواصل في مظاهرات ضخمة دعماً لغزة وأهلها، رافعين شعارات تندد بالإبادة والاحتلال، وتطالب بتحرك دولي عاجل. لقد أثبت الشعب المغربي، مرةً أخرى، أنه حاضر بقوة في معركة الكرامة، وأن قضية فلسطين لا تسقط من وجدانه مهما اشتدت الأزمات الداخلية.

في وجه كل هذا الموت، لا مكان للحياد. الحياد جريمة، والصمت خيانة.
على الإعلام العربي أن يتحرر من الرقابة ويتحدث بصدق، وعلى النخب السياسية أن تتحرك قبل أن تُسقطها الجماهير، وعلى الشعوب أن تعيد الضغط من جديد: عبر التظاهر، والمقاطعة، والدعم المباشر.

إن ما يجري في غزة وصمة في جبين البشرية، واختبار حقيقي لإنسانيتنا، كعرب وكمسلمين وكمواطنين عالميين.

إذا مات الضمير في غزة، سيموت فينا كل شيء.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...