نبيل التويول – إيطاليا تلغراف
في كل مرة تحقق فيها المنظومة الصحية العالمية قفزة جديدة، يتأكد أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الأجهزة الطبية، ولا ينتهي عند تشييد المستشفيات، بل يمر أولا عبر الإنسان الذي يقدم الرعاية. غير أن هذا الإنسان، مهما بلغت كفاءته العلمية، يظل في حاجة إلى امتلاك لغة المعرفة التي تنبثق بها أحدث الاكتشافات الطبية، وتنشر بها البحوث السريرية الأكثر رصانة، وتبنى عليها البروتوكولات العلاجية في مختلف أنحاء العالم.
ومن بين التجارب التي استوقفت إيطاليا تلغراف، تجربة يقودها الدكتور عادل العيضي، الأستاذ المحاضر بجامعة القاهرة، والمتخصص في تدريس اللغة الإنجليزية للعاملين في القطاع الصحي (Medical English and Medical Terminology)، وهو تخصص دقيق يجمع بين اللغة والممارسة المهنية، ويهدف إلى تمكين الممرضين والعاملين في المجال الصحي من اكتساب الكفايات اللغوية المرتبطة بالمصطلحات الطبية، والتواصل السريري، وقراءة الوثائق العلمية، وفهم الأدبيات الطبية الحديثة.
ولا ينظر الدكتور العيضي إلى اللغة الإنجليزية باعتبارها مجرد وسيلة للتواصل اليومي، بل يعتبر أن اللغة الطبية تمثل تخصصا قائما بذاته، يختلف عن الإنجليزية العامة، ويستجيب لمتطلبات بيئة صحية تعتمد على مصطلحات دقيقة، وبروتوكولات علاجية متخصصة، وأبحاث علمية تنشر في معظمها باللغة الإنجليزية.
وانطلاقا من هذه الرؤية، ألّف الدكتور العيضي مرجعا أكاديميا متخصصا في اللغة الإنجليزية والمصطلحات الطبية للعاملين في مهنة التمريض، حصل على حماية حقوق الملكية الفكرية في جمهورية مصر العربية، ويؤكد أنه يستخدم في برامج تعليمية داخل مؤسسات جامعية مصرية، في مقدمتها جامعة القاهرة، التي يزاول بها مهامه الأكاديمية.
وتقوم أطروحته على فكرة أساسية مفادها أن الممرض أو الممارس الصحي، مهما بلغ مستواه في اللغة الإنجليزية العامة، قد يظل في حاجة إلى تكوين متخصص يمكنه من فهم المصطلحات الطبية الدقيقة، وقراءة الملفات السريرية، واستيعاب الإرشادات العلاجية، ومتابعة الأبحاث العلمية الحديثة، والتواصل بكفاءة داخل بيئات صحية متعددة الجنسيات.
ويعتبر الأستاذ الجامعي المصري أن هذا النوع من التكوين لم يعد ترفا أكاديميا، بل أصبح عنصرا مساعدا في تحسين جودة الأداء المهني، وتعزيز السلامة العلاجية، وتيسير الولوج إلى المعرفة الطبية العالمية، خصوصا في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده القطاع الصحي.
غير أن ما يمنح هذه التجربة بعدا عربيا يتجاوز حدود مصر، هو رغبة الدكتور عادل العيضي في الانفتاح على المملكة المغربية، ووضع خبرته الأكاديمية رهن إشارة المؤسسات المغربية، من خلال تطوير برامج تكوين متخصصة، وإلقاء محاضرات علمية، وبناء شراكات مع الجامعات والمعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، ومؤسسات التكوين المستمر، بما يخدم تطوير الكفاءات الصحية المغربية.
وفي حديثه إلى إيطاليا تلغراف، يعبر الدكتور العيضي عن قناعته بأن المغرب، بما يشهده من إصلاحات استراتيجية في قطاع الصحة، يمثل بيئة واعدة لاحتضان هذا النوع من التخصصات، مؤكدا أن هدفه لا يتمثل في نقل نموذج جاهز، وإنما في فتح حوار علمي مع المؤسسات المغربية حول سبل الاستفادة من التجربة المصرية، بما ينسجم مع احتياجات المملكة واختياراتها البيداغوجية.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل التوجه المغربي نحو تعزيز البحث العلمي، والانفتاح على التجارب الدولية، وإعداد موارد بشرية قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة التي يعرفها الطب الحديث.
فاليوم، تصدر أغلب المجلات الطبية المحكمة باللغة الإنجليزية، كما تعتمدها قواعد البيانات العلمية العالمية، والمؤتمرات الدولية، وبرامج التكوين المستمر، وهو ما يجعل امتلاك أدوات التواصل العلمي باللغة الإنجليزية عاملا مساعدا على الاندماج في الفضاء الأكاديمي والمهني العالمي.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، الدعوة إلى تغيير النموذج اللغوي المعتمد في مؤسسات التكوين المغربية، وإنما يفتح باب النقاش حول إمكانية إدماج برامج تكوينية متخصصة في الإنجليزية الطبية، باعتبارها مهارة مهنية إضافية يمكن أن تعزز تكوين الممرض المغربي، وتمنحه قدرة أكبر على متابعة المستجدات العلمية والانخراط في شبكات البحث والتعاون الدولي.

ولعل القيمة الحقيقية لأطروحة الدكتور عادل العيضي لا تكمن فقط في تدريس الإنجليزية الطبية، بل في إعادة طرح سؤال استراتيجي يفرض نفسه اليوم على مختلف الأنظمة الصحية العربية: هل أصبحت لغة الطب الحديث جزءا من كفاءة الممرض ؟؟ و من مستلزمات الرعاية الصحية الأكثر تكاملا، و لبنة من لبنات الاستثمار في الرأسمال البشري ؟ ويبقى الرهان اليوم هو أن تتحول هذه الأطروحة من موضوع للنقاش الأكاديمي إلى فرصة للتفكير في مستقبل التكوين الصحي بالمغرب. وانطلاقا من رسالتها في بناء جسور المعرفة، ستفتح إيطاليا تلغراف صفحاتها لحوار علمي موسع مع الدكتور عادل العيضي، الأستاذ المحاضر بجامعة القاهرة، لاستجلاء مضامين كتابه، وإيصال رؤيته إلى الجامعات والمؤسسات وصناع القرار، إيمانا بأن الحوار العلمي الرصين هو المدخل الطبيعي لكل إصلاح مستدام.






