الساحل الإفريقي يشتعل… والدبلوماسية تراقب من خلف الزجاج

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

في ليل الساحل الإفريقي، لا أحد يحصي النجوم، فالسماء هناك لا تراقَب، بل تستباح. في شهري مايو ويونيو فقط، تعرضت مالي والنيجر وبوركينا فاسو لأكثر من 12 هجوما داميا، خلفت ما يزيد عن 400 قتيل من الجنود، بحسب ما أعلنته جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”.
لكن الرقم ليس هو المهم.
المهم هو أن التنظيم لم يعد يختبئ في الكثبان ولا يتحصن في وديان بعيدة، بل أصبح يتجه بثقة نحو مراكز حضرية، يرفع فيها علمه ويقرأ فيها بيانه الأول.
الخبراء يرون في هذا تحولا استراتيجيا خطيرا في نهج التنظيمات الجهادية في الساحل، حيث لم تعد الهجمات تهدف إلى استنزاف العدو في الأرياف، بل إلى فرض السيادة في محيط المدن، وتحدي الدول التي تعيش أزمة شرعية خانقة.
وفق تقرير لمركز Africa Center for Strategic

Studies الصادر في يونيو 2025، فإن عدد الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل تضاعف بنسبة 64% خلال عام واحد، مع انتقال مقلق نحو استهداف البنى التحتية المدنية، وفرض الإتاوات على السكان، بما يشبه تنظيم “طالبان” قبل استيلائه على كابل.
فمن يسد هذا الفراغ؟
الجواب ليس في الجيوش، ولا في الحكومات، بل في الأسئلة:
لماذا فشلت الدول المنقلبة على نفسها في استعادة المبادرة؟
ولماذا يغيب النموذج التنموي في مواجهة السلاح؟
ولماذا، كلما انسحب حليف غربي، تُفتح بوابة جحيم؟

—حين تُحمى أوكرانيا وتُحرق إفريقيا
في الوقت الذي تُسلّح فيه أوكرانيا بخمسة أنظمة صواريخ باتريوت من ألمانيا والولايات المتحدة، كرمز لتوازن القوى في أوروبا، تبدو إفريقيا وكأنها تائهة خارج الخريطة.
الفرق بين الدولة والدولة ليس في عدد الجنود، بل في قيمتها الجيوسياسية.
في مقابلة مع The New York Times، قال الجنرال المتقاعد “مارك كيميت” إن انسحاب فرنسا من الساحل دون استراتيجية بديلة “كان كمن يسلم المدينة للذئاب”، في إشارة إلى تراجع قوة برخان، وتقدم الجماعات المتطرفة.
العالم لا يتحرك لأن إفريقيا لا تصرخ، بل تموت بصمت.

—السويداء… ذاكرة الحرب وولاء الخارج
وفي جنوب سوريا، ليس المشهد أفضل حالا.
السويداء تشتعل.


لكن هذه المرة ليس بفعل النظام فقط، بل باحتكاكات بين مكونات محلية، بعضها يحاول لعب دور “الحياد المسلح” منذ بداية الثورة، والبعض الآخر له علاقات موثقة مع الاحتلال الإسرائيلي، دعما أو استقواء، كما أورد تقرير لمعهد Middle East Forum الذي وصف جزءا من تشكيلات الدروز بأنها “وحدات مراقبة حدودية لصالح تل أبيب في الجولان”.
الاشتباكات الأخيرة بين مسلحين دروز وقوات حكومية، وبدوية محلية، خلفت ما يقارب 600 قتيل، ما يعكس أن الخارطة السورية لم تُرسم بعد، وأن الجنوب ما زال مسرحا لتصفية الحسابات الإقليمية بوجوه محلية.

الحرب هناك، لا تدار من دمشق فقط، بل من تل أبيب، وواشنطن، وعمان، وربما من داخل بعض “البيوت الصامتة” في الجبل.

—كمبوديا… حدود قديمة ومخاوف جديدة
ومن جنوب الشام إلى جنوب شرق آسيا، قررت كمبوديا فجأة تفعيل قانون التجنيد الإجباري، المعطّل منذ عام 2006.
السبب؟ توتر قديم متجدد مع تايلاند حول الحدود، وتحركات عسكرية رمزية لكنها تكشف هشاشة الجوار.
قانون التجنيد يلزم الشبان بين 18 و30 عاما بالخدمة 18 شهرا. لكن ما لم يُذكر في البلاغات الرسمية هو أن الحرب، حين تغيب عنها الدول الكبرى، تتحول إلى مجرد عصا للداخل أكثر منها سيفا على العدو.

—أستراليا… مناورات تحت المراقبة الصينية
في الطرف الآخر من الخريطة، تستضيف أستراليا مناورات “تاليسمان سابر”، الأكبر في تاريخها.
35,000 جندي من 19 دولة، بينهم اليابان، ألمانيا،

المملكة المتحدة، وكندا، يتدربون على قتال “العدو المجهول”، الذي يُفهم ضمنا أنه الصين.
هذه المناورات التي تستمر ثلاثة أسابيع، ليست مجرد تمرين عسكري، بل رسالة موجهة نحو بحر الصين الجنوبي، حيث ترسم القوى الكبرى خرائط الهيمنة القادمة.
والسؤال هنا:
لماذا تنفق الملايين على محاكاة الحروب، بينما تموت القرى في النيجر ومالي دون أن تحاكيها حتى وسائل الإعلام؟

—من يرسم خريطة الدم؟
السؤال ليس عن الهجمات، بل عن الهشاشة السياسية.
في الساحل، كما في الشام، كما في آسيا، هناك فراغ… والفراغ لا يبقى فارغا.
هل هو القدر؟
أم أن الجغرافيا حين تُنسى، تصبح عبئا على من يسكنها؟
وهل نعيش زمنا تُمجّد فيه الحرب في أوكرانيا وتُنسى في إفريقيا؟
هل صارت حياة الجندي المالي أرخص من حياة المقاتل

الأوكراني؟
أم أن الدم لا يساوي شيئا إن لم يُبثّ مباشرا على الشاشات الغربية؟
المنطقة تشتعل، والعالم يتفرج.
لكن النار، حين تكبر، لا تسأل عن جواز السفر

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...