استدعاء الذاكرة السياسية المغربية: الحسن الثاني وخطاب الممانعة – قراءة نقدية في السياقات والبدائل

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه(*)

 

 

1. إشكالية الذاكرة والسياق العام
 هل يمكن اختزال التاريخ السياسي العربي في صراع ثنائي بين «الممانعة» و«الواقعية»؟ وإلى أي مدى تظل تجربة الحسن الثاني (1961–1999) صالحة لتفسير تعقيدات الراهن العربي، أم أن التحولات الجيوسياسية الراهنة تفرض مقاربات تتجاوز ثنائيات الماضي؟
 تستند هذه الورقة إلى سؤال محوري: هل الماضي مرآة كافية لفهم الحاضر؟ وإلى أي حد يمكن استدعاء تجربة الحسن الثاني، بكل ما حفلت به من توترات مع أطراف إقليمية، لتفسير اللحظة الراهنة؟ أم أن الحاضر، بما يشهده من تحولات في طبيعة الفاعلين الإقليميين والدوليين، يستدعي مقاربة جديدة تتحرر من الذاكرة الانتقائية؟
 إن استحضار تجربة الحسن الثاني في مواجهته لما سُمّي «محور الممانعة» ممثلاً في الجزائر، سوريا، اليمن، والسودان، يثير سؤالًا حول طبيعة هذا الصراع: هل كان تجلّياً لصراع بنيوي في النظام العربي، أم مجرد رهانات ظرفية فرضتها اعتبارات إيديولوجية وسياسية محدودة الأفق؟
 كما يدعو إلى مساءلة مفاهيم «الممانعة» و«التضامن» و«السيادة»، لتجاوز القراءة الانفعالية نحو مقاربة تركيبية ترى في الدولة الوطنية مشروعًا متجدّدًا لا مجرد آلية دفاعية. إن تجربة المغرب مع هذا المحور تكشف حدود «العنتريات» التي طبعت الخطاب العربي، الذي صاغته شعارات مطلقة كـ«لا للتفاوض»، «لا للتنازل»، و«لا للتطبيع».
 غير أن الواقع التاريخي والراهن أظهرا أن هذه النزعة التصعيدية لم تحقق ما وعدت به، ولم تثمر خضوعًا من الخصوم ولا مكاسب ملموسة. لذا يصبح مشروعًا أن نسأل: أية وظيفة أدتها هذه النزعة في العلاقات العربية–العربية؟ وهل التصعيد، في غياب استراتيجية واقعية وتحليل دقيق للسياق، سوى وصفة لاستدامة النزاعات؟
 انطلاقًا من ذلك، تتناول هذه الورقة إشكالية العلاقة الجدلية بين الذاكرة السياسية المغربية والخطاب العربي الراهن، عبر تحليل سياسات الحسن الثاني تجاه «محور الممانعة»، وتفكيك سياقات الصراع، واستكشاف قدرة النموذج المغربي على تقديم بدائل للفكر التصادمي السائد.
* أولًا: خطاب الممانعة بين الشعارات والواقع التاريخي
1. الأصول الإيديولوجية للخطاب
 ارتكز خطاب الممانعة على رفض التفاوض مع الخصوم، خاصة إسرائيل والغرب، مستندًا إلى خطاب ثوري يستحضر مقاومة الاستعمار. لكنه لم يكن متجانسًا؛ ففي حين تمسكت سوريا بموقف صلب تجاه إسرائيل بدعم سوفيتي، اعتبر المغرب أن نزاعه مع الجزائر حول الصحراء يتطلب تحالفات أخرى، بما فيها تقارب مع الغرب.
2. المغرب والحسن الثاني: دراسة حالة
 في السياق المغربي، استُخدم شعار «الوحدة الترابية» لتعزيز الشرعية الداخلية، مع تكييفه مع معطيات الواقع. فعلى المستوى الإقليمي، دعمت الجزائر جبهة البوليساريو منذ 1975، ما حوّل الصراع إلى مواجهة مع محور اعتُبر معيقًا للتضامن العربي.
 أما على المستوى الدولي، فقد استفاد المغرب من دعم أمريكي وأوروبي في قضية الصحراء، بينما اعتمدت سوريا والجزائر على الدعم السوفيتي، مما عمّق الانقسام العربي. هكذا يتضح أن الممانعة لم تكن موقفًا مبدئيًا بقدر ما كانت استجابة لتحالفات القوى في سياق الحرب الباردة.
* ثانيًا: تفكيك الصراع: بنيوي أم ظرفي؟
1. العوامل البنيوية للصراع
 يمكن رصد ثلاثة أبعاد بنيوية:
 - الانقسام الإيديولوجي بين أنظمة ثورية (كسوريا) وأخرى ترى الاستقرار أولوية (كالمغرب).
 - التنافس على الزعامة الإقليمية بين المغرب والجزائر في المغرب العربي وإفريقيا.
 - التدخلات الخارجية التي عمّقت الانقسامات بفعل التنافس الأمريكي–السوفيتي.
2. العوامل الظرفيّة للصراع
 مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي (1991)، تغيّرت تحالفات دول الممانعة: انضمت سوريا إلى التحالف ضد العراق عام 1991، وتقارب السودان لاحقًا مع الغرب. هذا يثبت أن المواقف كانت ظرفية وخاضعة لحسابات مصلحية.
* ثالثًا: إشكالية السيادة والتضامن في الفضاء العربي
1. التناقض بين الخطاب والممارسة
 رغم الشعارات حول «التضامن العربي»، ظلت العلاقات محكومة بالمصالح الضيقة. دعمت سوريا إيران في حربها مع العراق رغم الخطاب القومي، وتحالفت الجزائر مع إيران ضد المغرب، متجاوزةً الانتماء المغاربي.
 هذا يكشف أن الممانعة كانت أداة تكتيكية أكثر منها مبدأ استراتيجي. فقد خدمت، في كثير من الأحيان، أجندات ظرفية بدل أن ترسي قواعد تضامن حقيقي بين الدول العربية.
2. المغرب كنموذج للواقعية السياسية
 انتهج الحسن الثاني براغماتية سياسية. شارك في التطبيع مع إسرائيل (1994) لتعزيز موقعه الدولي، وانفتح اقتصاديًا على أوروبا والولايات المتحدة، مع الحفاظ على خطاب داعم للقضية الفلسطينية.
 هذا النموذج يطرح سؤالًا مهمًا: هل يمكن تحقيق الأهداف السياسية بالمرونة بدل المواجهة؟ وهل الواقعية السياسية أكثر فعالية في ضمان المصالح الوطنية من الشعارات الثورية الجامدة؟
* رابعًا: نحو إعادة تعريف التضامن العربي: أسئلة مستقبلية
 انطلاقًا من هذه التجربة، يمكن طرح أسئلة على صانعي القرار العرب:
 - هل يمكن بناء تضامن عربي جديد قائم على المصالح الاقتصادية والأمن المشترك بدل الأيديولوجيا؟
 - ما حدود الاستفادة من التجربة المغربية في الجمع بين الواقعية والحفاظ على الهوية؟
 - كيف يمكن تجاوز إرث الصراعات العربية–العربية في نظام دولي متعدد الأقطاب؟
* الخلاصة: التاريخ كمرجعية نقدية لا كشعار
 إن تجربة الحسن الثاني ليست نموذجًا مطلقًا للنجاح ولا للفشل، بل حلقة في سياق تاريخي معقد. وقد اختار المغرب خيارات فرضتها الظروف، لكن الدرس الأبرز أن المواقف السياسية ليست حتمية، بل قابلة للتأويل والتغيير.
 إن استشراف مستقبل الفضاء العربي يتطلب تجاوز الثنائيات الجاهزة مثل «الممانعة والخضوع» و«التضامن والانعزالية»، نحو مقاربة توفق بين السيادة الوطنية والتكامل الإقليمي، بعيدًا عن شعارات تُقدّس كرموز وتُنسى كواقع.
______
(*)– الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ المُفكِّرُ والباحثُ المغربيُّ، المُتخصِّصُ في العلومِ القانونيَّةِ والاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ، والناشِطُ في الرَّصْدِ والتحليلِ السياسيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ والثقافيِّ والبيئيِّ.
له عِدَّةُ مساهماتٍ فكريَّةٍ ومقالاتٍ تحليليَّةٍ تَرْصُدُ التَّحوُّلاتِ المجتمعيَّةِ وتُقَدِّمُ قراءاتٍ نقديَّةً للتَّحدياتِ الراهنةِ في المغربِ والعالمِ العربيِّ والإسلاميِّ.
 أَثْرَى المكتبةَ المغربيَّةَ والعربيَّةَ بعددٍ من الدراساتِ العلميَّةِ والكُتُبِ التي تناولت قضايا الإدارةِ والفاعلينَ والسياساتِ العموميَّةِ من منظورٍ سوسيو-قانونيٍّ-أنثروبولوجيٍّ وتحليليٍّ أكاديميٍّ.
 من أبرزِ إسهاماتهِ الفكريَّةِ:
 - الإدارةُ المغربيَّةُ ومُتطلَّباتُ التنميةِ؛ دراسةٌ سوسيو قانونيَّةٌ وتحليليَّةٌ، منشوراتُ المجلةِ المغربيَّةِ للإدارةِ المحليَّةِ والتنميةِ، الرِّباط، العدد 19، سلسلة مؤلَّفاتٍ وأعمالٍ جامعيَّةٍ، سنة 2000.
 - الفاعلونَ المحلِّيُّون والسياساتُ العموميَّةُ المحليَّةُ: دراسةٌ في القرارِ المحليِّ، منشوراتُ المطبعةِ الوطنيَّةِ، مراكش، سنة 2015.
 - الفاعلونَ في السياساتِ العموميَّةِ الترابيَّةِ، منشوراتُ المجلةِ المغربيَّةِ للإدارةِ المحليَّةِ والتنميةِ، الرِّباط، العدد 130، سلسلة مؤلَّفاتٍ وأعمالٍ جامعيَّةٍ، سنة 2020.
 يَجْمَعُ الدكتورُ شَنْفَار في مقاربتِهِ البحثيَّةِ بين العُمْقِ الأكاديميِّ والالتزامِ النقديِّ تجاهَ قضايا التنميةِ والحَكَامةِ والمشاركةِ المجتمعيَّةِ، مما يجعلُ أعمالَهُ مرجعًا مُهِمًّا للباحثينَ والمُهتمِّينَ بالشأنِ العامِّ.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...