الفنانة المغربية زهراء الركراكي تجاور «الأوركسترا الفلهارمونية»

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد العزيز بنعبو

 

 

 

 في العصر الرقمي وفورته المباغتة، التي مكنته من السيطرة على كل مناحي يومياتنا، أصيب العديد من القيم الجمالية بالتشوه، مع استسهال النشر والانتشار، ويسر صعود نجوم من عالم الافتراض إلى الواقع. ولم تسلم الموسيقى بدورها من هذا التشوه، وتحولت من أهم التجليات الجمالية للإبداع الإنساني، ببعدها الإنساني والفني والروحي، إلى مرتع لسرعة الكسب المادي، والشهرة الزائفة المبنية على عامل الدهشة وهشاشة نقرة «اللايك» و»المتابعة» على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من المنصات التي فتحت المجال على مصراعيه أمام الجميع دون استثناء.
صحيح أن تلك المنصات منحت «ديمقراطية» الوصول إلى المستمع بالنسبة لأصوات لم تنل فرصتها في ميكروفونات الإذاعات وشاشات التلفزيون، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب لأنصاف المواهب ومنعدمي الإبداع، ليكونوا نجوما بين عشية وضحاها، فقط لأن جمهورهم سريع العطب، ويحتاج إلى السهولة في التلقي ولا يقوى على الصبر مع مقطوعات موسيقية أو غنائية تمتع، لكنها تستفز الحواس وتطلب منها اليقظة الكاملة أمام بهاء الإبداع الإنساني. لكن الناس أذواق، وأغاني «يوتيوب» ومنصات أخرى لها جمهورها العريض، ولا يتردد في دعم فنانه، فماذا عن فنان الطرب الأندلسي والملحون والأغنية العصرية الطربية، والموسيقى الكلاسيكية، وغيرها من الأصناف التي تصنف في خانة النخبة، أو جيل الزمن الجميل؟ هي أصناف موسيقية وغنائية، يبدو القابض عليها مثل القابض على الجمر في العالم الافتراضي، ورغم ذلك يواصل المسير، لأن هناك فئة من المجتمع، ما زالت تؤمن بأن يكون الزمن الجميل زمنا حاضرا ومستقبلا أيضا، لأجل ذلك يتشبث أمثال الفنانة زهراء الركراكي، بجعل الموسيقى الفيلهارمونية «أوكسجين» لها، إلى جانب انتمائها إلى «الأوركسترا الفلهارمونية المغربية»، فقد أسست جمعية (مايسترا) للفنون السوسيوثقافية، التي تتضمن فرقة نسائية، كما أسست مركز «ميركوبيا» للموسيقى والفن الكوريغرافي في الرباط.
صاحبة مقطوعتي «امرأة من المغرب» و»العايلة» (تعني الفتاة باللهجة الشمالية المغربية) تؤكد أنه في عصر الرقمي وتشوه الكثير من القيم الفنية، ما زالت هناك إمكانية لتصحيح أذواق الغالبية من الناس، لأنها تؤمن بذلك، ولأن «الأذواق تتشكل وتتغير وليست نهائية، كل مرحلة أو حقبة زمنية تحمل معها تحدياتها الفنية والجمهور، ليس كما يصور لنا دائما». ولم تستثن أي نوع من الموسيقى «لأن لكل (ستايل) جمهوره سواء كانت موسيقى صاخبة أو وازنة»، وأعطت النموذج بنفسها حيث تستمع إلى الموسيقى، حسب حاجتها إليها «فبعد يوم مرهق أسمع للكلاسيكيات وموسيقى التأمل. أما في النهار وأنا في كامل لياقتي أسمع موسيقى شبابية مغربية، أو لاتينية أو بوب والروك، هذا النوع يغذي طاقتي». لذلك فهي مقتنعة أن لكل نوع موسيقي «ناسه ووقته ومكانه»، لكن لديها «عتاب وحيد وهو الكلمات النابية في موسيقى الراب»، الذي تعتبره نوعا «من البلطجة بحجة أن هذا هو الراب».
بالنسبة للعديد من المبدعين في الموسيقى، فإن السؤال المقلق حقا هو: هل فعلا العام يحتاج إلى موسيقى وازنة ورصينة، بدل هذا الهرج والمرج المنتشر حاليا؟ وفي رأي زهراء الركراكي، فإنها تظن أن «الإشكال في توجيه ذوق المستمع الذي يبدأ من الطفولة، وبالخصوص الطبقة الشعبية الفقيرة التي يجد شبابها ملاذا في موسيقى (الراب) التي تجسد معاناتهم مع التهميش والمخدرات، وأصبحوا يتنافسون في لفظ الكلمات النابية، وبذلك يصبح (الرابور) بطلا في نظرهم»، وتشدد المتحدثة على أنه «يجب عدم إقصاء هذا النوع من الموسيقى وأن نكون مستعدين ومنفتحين لتقبل عدة أنماط أخرى مقبلة». وتضيف الفنانة أنه بخصوص «الموسيقى الوازنة أو (الراقية)، فهي حق للجميع، ويجب أن لا تبقى حكرا على النخبة ويجب أن يجري التسويق لها بجدية وأن تدرج في مراحل الدراسة، وتقريبها من الأحياء الشعبية عبر سهرات مجانية».

وعن إفساد الشهرة والمال لروح الإبداع الموسيقي بالنظر إلى الأسماء التي تبرز بين عشية وضحاها وتتحول إلى نجوم وقدوة، عبرت زهراء الركراكي عن أسفها، لأنه «في كثير من الحالات، حين تكون الشهرة هدفا بحد ذاتها، تختزل العملية الفنية في مظهر خارجي، أو جرأة لاذعة لمسمع المشاهد. لكني لا أظن أنه يستمتع بشهرته لأنه يعلم أنه غير صادق»، لأن «الفن الحقيقي يتطلب الصبر، البحث العميق والتضحية».
وبخصوص مفتاح النجاح والتألق الفني الأصيل بدل الشهرة العابرة، تؤكد الفنانة أن «الجودة والجدية هما الأساس. والنجاح الحقيقي هو أن تبقى أعمالك مرجعا وأن يذكرك الناس بما قدمته من قيمة فنية، وليس بعدد المشاهدات والمتابعات. فالشهرة العابرة مثل الفقاعات تلمع لحظة ثم تختفي». كما البداية، فإن الاهتمام والعناية هما معا من ملامح رد الاعتبار لأي مبدع موسيقي، ونجوم يوتيوب ينالون نصيبهم من «حب» و»اهتمام» جمهورهم، لكن ماذا عن المبدعين أمثال زهراء الركراكي، لذلك تؤكد الفنانة أنها لا يمكنها القول إنها نالت ما تستحق تماما من احتفاء وتقدير، لكنها ممتنة لكل من آمن بها وساندها، وتوضح أنه «في بلداننا العربية لا يزال الاعتراف بالفنان بطيئا، لكنني مستمرة لأنني أومن برسالتي الفنية وأعمل جاهدة من أجلها ولا أنتظر». وتدفع مسألة اختيار الموسيقى الفلهارمونية إلى سؤال الفنانة عن السبب، لتقول إنها في طفولتها كانت تحلم أن تصبح مغنية و»بالصدفة أصبحت موسيقية ونسيت حلمي الأول لكنه يراودني مؤخرا»، وأكدت أنها كانت محظوظة بكونها عضوا في الأوركسترا الفيلهارمونية للمغرب، كعازفة أولى على آلة «طيمبال» وذلك منذ تأسيسها عام 1996.
وتوضح زهراء أنها في هذا الانتماء وجدت عالمها «حيث الانطباع والجمال اللذان يجمعان بين التقنية والعاطفة»، وتستطرد بالقول إنه «في البداية صحيح كان الجمهور نخبوي، لكن مع مرور الوقت لاحظت أن الجمهور يزداد سنة بعد أخرى ويكون المسرح مكتظا»، مبرزة أنه «يكفي أن تحضر مباشرة مرة واحدة فتسقط في حب الموسيقى الكلاسيكية».
وردا على سؤال بخصوص حصيلة سنوات من العطاء وكيف تقيم تجربتها الخاصة وهل حققت أحلامها أو على الأقل جزءا منها، تقول الفنانة إنه بالنسبة لها لم تنطفئ شعلة الفن «فأنا مستمرة ولا أريد تكرار نفسي لأنني منفتحة جدا على ما هو جديد وذو قيمة».
الجدير بالذكر أن مسار الفنانة زهراء الركراكي حافل بالإنجازات، منها تمثيلها للمغرب في عدة محافل دولية، مثل فرنسا، حيث نالت جائزة أحسن فرقة للموسيقى العسكرية، وكانت حاضرة في أوركسترا شباب البحر الأبيض المتوسط لأربع سنوات متتالية، وكان مقرها في مدينة «إكس إن بروفانس» في فرنسا، كما حصلت على شهادة نهاية الدراسات الموسيقية في المعهد الجهوي في باريس في مادة الإيقاع الكلاسيكي، وشاركت مع الفنان العالمي البريطاني ستينغ في مهرجان موازين، وحصلت على شهادة قيادة الأوركسترا تحت تأطير المغربي الفرنسي (مهدي لوكرايدا).

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...