جمعه ورتبه: منير أحمد انجيمي
مقدمة: في رحاب الوفاء لمن يحمل النور
في قلب القارة الأوروبية، يقف الإمام كحارس للهوية ومنارة للتوجيه؛ هو ذاك الأخ المشفق والأب المربي الذي يربط الأرض بالسماء، ويحفظ على الناس سكينتهم ودينهم في ديار الغربة. وما أجمل أن نستذكر في حقه مقام “حامل الخير” الذي تفيض بركته على الأكوان؛ فبمثل هؤلاء الأصفياء تباهي الأمة، وفيهم يقول الصادق المصدوق ﷺ:
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
”فَضلُ العالِمِ على العابِدِ كَفَضلي على أدناكُم، إنَّ اللهَ وملائكتَه وأهلَ السَّمواتِ والأرضِ، حتى النَّملةَ في جُحرِها وحتى الحُوتَ، لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ” (رواه الترمذي).
أولاً: التأصيل الفقهي (فقه الكفاية ووجوب التفرغ)
لقد حسم فقهاء الأمة مسألة أخذ “الأرزاق” من بيت المال أو الأجر من الواقفين، والقول الذي نعتمده هنا هو الرأي الأقوى دليلاً والأنسب حالاً للأقلية المسلمة، وهو وجوب كفاية الإمام مادياً كشرط لصيانة الشعائر.
المنهج الراشدي (الأصل في الكفاية): إن أول من وضع حجر الأساس لهذا التأصيل هم الصحابة الكرام؛ فعندما استُخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه، استوقفه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة الجراح رضي الله عنهما وقالا له: “اجلس.. وعُدَّ لنا ما يكفيك ويكفي عيالك، ونحن نعطيك إياه من بيت المال”. فكان قولهما المشهور: “عُدَّ ونعطيك ما يكفيك” أصلاً شرعياً في وجوب كفاية من تفرغ لمصالح المسلمين. وعلى هذا سار عمر بن الخطاب، فكان أول من رزق الأئمة والفقهاء والمؤذنين، وجعل لهم نصيباً يغنيهم، إدراكاً منه أن القائم على ثغور الدين يجب أن يكون مستوراً في أهله ومسكنه.
المذهب المالكي وعمل أهل الأمصار:
في فقهنا المالكي، تقرر أن المصلحة العامة مقدمة، وقد نص العلماء على أن منع الأجر عن الأئمة يؤدي ضرورة إلى خلو المحاريب من الأكفاء. يقول الإمام الحطاب الرعيني: “والذي استمر عليه الحال اليوم، وجرى به العمل في سائر الأمصار: جواز أخذ الأجرة على الإمامة والأذان.. لأنه لو لم يُعطوا لأدى ذلك إلى تضييع الشعائر”.
فقه “حبس النفس” والالتزام:
أصل الجواز هنا ليس بيعاً للصلاة، بل هو لقاء ما يسميه الفقهاء بـ “حبس النفس”؛ أي أن الإمام يلتزم بالوقت والمكان لمصلحة الجماعة. وبموجب هذا الالتزام، يجب تأمين عيشه براتب شهرى مجزٍ أو بتوفير سكن لائق (بيت الإمام)، ليتحقق له الاستقرار النفسي والمادي، فيجتمع خاطره على الصلاة والتوجيه والإصلاح بدلاً من التشتت في طلب لقمة العيش.
ثانياً: الإمام كطبيب اجتماعي ومحرك مالي
الإمام في أوروبا هو الطبيب النفسي والمصلح الذي يرمم البيوت المتصدعة. وبصدق لهجته وثقة الناس فيه، قد يجمع الإمام في ليلة واحدة تقريباً 100,000 €، بل وقد يجمع ما يصل أحياناً إلى تقريباً 1,000,000 € لمشروع مسجد المدينة. ومن المحزن أن يُبخل عليه براتب أو سكن يكفل كرامته بينما يجمع الملايين لعمارة الجدران.
ثالثاً: مقارنة مع الآخرين (توقير أهل الدين)
حين ننظر حولنا، نجد أن غير المسلمين يكرمون رهبانهم وقساوستهم؛ فللقسيس في الكنيسة كلمة مسموعة ومكانة مصونة، يلوذ به الفقير فيجده سنداً لأن مؤسسته كفته ذل الحاجة. بينما يواجه إمامنا “ألف مدير” يحاسبونه على اللقمة، وقد يُستغنى عنه عند “أقل خلاف” بلا رحمة، مما يكسر هيبة المحراب.
رابعاً: واقع مؤلم (بين الرفاهية والعوز)
في ظل غلاء المعيشة، نجد مفارقة تدمي القلب؛ فتكلفة إيجار السكن وحده تتراوح ما بين تقريباً 500 € و تقريباً 1,000 €، وذلك على حسب المدن والمناطق وتفاوت مستويات المعيشة فيها. وفي هذا الواقع، يجد الإمام نفسه أحياناً لا يملك ثمن “تذكرة حافلة” لزيارة أهله، في حين يركب غيره من المصلين البواخر بسياراتهم الفارهة بآلاف اليوروهات. وأشد ما يؤلم هو رحيل الإمام بعد عقود من العطاء بلا تقاعد ولا إكرام، بمجرد أن يضعف بصره أو يذهب صوته الرنان.
خامساً: الاستثناء المضيء وكلمة الحق
تبرز نماذج مشرفة في بعض المراكز التي أدركت أن الإمام هو “قلب المسجد”، فأكرموه بما يليق بمقامهم كشريك نجاح. ومع وجود بعض الاستثناءات من أئمة قد لا يمثلون الرسالة بمسلكهم، إلا أن ذلك أبداً لا يبرر إهانة المقام نفسه؛ فالخلل في الفرع لا يسوغ هدم الأصل، وتقصير البعض لا يبيح بخس حقوق المخلصين.
سادساً: لماذا نكرمهم؟
إن إكرام الأئمة ليس منّةً ولا تفضلاً، بل هو ضرورة وجودية لثلاثة أسباب:
إكرام لنا: فرفعة الإمام هي رفعة للأقلية المسلمة بأسرها، وذله هو ذل لكل من يصلي خلفه وتصغير لشأن المسلمين أمام الآخرين.
صورة لأبنائنا: لنغرس في قلوبهم توقير العلم والقرآن حين يرون “حامل الوحي” معززاً مكرماً.
رسالة للمجتمع: لنقدم الصورة الحضارية الراقية للإسلام في تقدير رجالاته وتوقير علمائه أمام المجتمع الذي نعيش فيه.
خاتمة (في إجلال الله تعالى)
إن المسجد الذي يُزخرف مآذنه بالذهب ويترك إمامه في مهب الضياع هو مسجد فقد بوصلته. ولنعلم يقيناً أن إكرام هؤلاء الأئمة هو من صميم إيماننا وإجلالنا لخالقنا، كما أخبرنا ﷺ:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
”إنَّ من إجلالِ اللَّهِ إِكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلِمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنهُ”
(رواه أبو داود).
جمعه ورتبه: منير أحمد انجيمي





