النخبة السياسية التونسية تتخلّى عن مسؤولياتها

 

 

 

صلاح الدين الجورشي
كاتب تونسي

 

 

 

أصبح الحديث في تونس عن النخبة السياسية مزعجاً ومتكرّراً بشكلٍ لا يُحتمل. هو دوران في حلقة فارغة لا ينتظر منها تحقيق الحد الأدنى من التراكم والنجاعة. وما حصل أخيراً يدعم هذا الإحساس القاتل، فبمناسبة 25 جويلية (يوليو/ تموز)، ذكرى انفراد الرئيس قيس سعيّد بالسلطة المطلقة في البلاد، جرى حديثٌ عن احتمال تنظيم مسيرة احتجاجية، تشارك فيها جميع الأطراف الحزبية والمدنية من دون استثناء أو إقصاء. وتهيأ لهذا الموعد كل من هو حريصٌ على استئناف المسار الديمقراطي وحماية الحرّيات وحقوق الإنسان، والمتضامنين مع المساجين السياسيين. وفجأة أعلنت الشبكة التونسية للحقوق والحرّيات (تضم عدة جمعيات وأحزاب معارضة) تأجيل التحرّك الاحتجاجي بحجّة “مزيد التنسيق مع المكونات الديمقراطية التقدّمية”. وهو ما خلف تساؤلات وردات فعل سلبية، واعتبره بعضهم “خيبة أمل” قد ترتقي إلى مستوى “الخيانة”؟.

بناءً على هذه التطورات، تولّت تنسيقية عائلات المساجين السياسيين الدعوة إلى التظاهر، وأصدرت بلاغاً حادّاً في لهجته تحت عنوان “كفى لعباً على حبال اللحظة”، وانتقدت بيان الشبكة، واعتبرت أن التأجيل الذي تم “ليس تقديراً للمصلحة، وإنما هو خذلان صريح وجبان”. وأكّدت أن كل “من يصمت الآن ويسوّق للتريث هو شريك موضوعي في القمع”.

كان يفترض أن تكون الذكرى الرابعة لإلغاء “الانتقال الديمقراطي” محطّة تجمع مختلف القوى التي تضرّرت من هذا الزلزال السياسي، فالأجسام المعارضة للسلطة تبدو الآن متهالكة إلى حد كبير، وغير قادرة على الوقوف بصلابة في وجه التراجعات الخطيرة التي ستزيد هذه الأجسام ضعفاً وانحساراً. فالأطراف السياسية والمدنية لا تزال مكبلة سياسياً وأيديولوجياً بالخلافات العميقة نفسها التي نشبت بينها منذ زمن بعيد. ورغم أن المشهد السياسي تغير اليوم عما كان عليه بالأمس القريب بنسبة تصل إلى 360 درجة، بقيت حسابات الأطراف هي نفسها، بل زادت سوءاً، فاليوم لا يقتصر الخلاف فقط داخل حدود المواقف الأيديولوجية والحزبية، وإنما اتّسع الخرق ليبلغ حدود الاختلاف بشأن مكان الاحتجاج وتوقيته، وأيضاً حول من يشارك في الاحتجاج ومن يستثنى منه.

لا تزال العقدة الرئيسية في المشهد التونسي مرتبطةً بحركة النهضة. هناك من هو مصرٌّ على تجنّب التقاطع معها في المسيرة الاحتجاجية نفسها، وذلك حتى لا يتهم بالتنسيق معها سياسياً، رغم أن خصمهما مشترك، ممثلاً في النظام القائم. وبناء عليه، أعلنت جبهة الخلاص، حليفة حركة النهضة التي سبق أن دعت أنصارها إلى التجمّع في المكان والزمان اللذين أعلنتهما الشبكة، تأجيلَ تحرّكها الاحتجاجي إلى موعد لاحق!. كما كشفت مصادر مطلعة أن الاتحاد العام التونسي للشغل، عبّر بطريقة غير رسمية عن رفضه حضور إسلاميين أمام مقرّه المركزي، مذكّراً بما فعله “هؤلاء” سابقاً من تكديس للفضلات أمام المقر والاعتداء على موظفيه قبل 12 عاماً، أيام حكم “الترويكا”. حصل ذلك رغم أن الاتحاد تراجع وزنه ودوره حالياً.

هكذا بقيت النخبة السياسية في تونس تجرّ وراءها أخطاءها وصراعاتها المتعدّدة، وتعيد إنتاج ما حصدته في تاريخها ما قبل الثورة وبعدها. نخبة تعيش داخل ماضيها من دون أن تلقي نظرة على الحاضر، أو تستشرف المستقبل بكل ما يمكن أن يحمله من فرص وسيناريوهات مختلفة.

رغم قتامة المشهد وما يوحي به من إحباط، يجب التعامل بواقعية مع المعطيات الراهنة والموروثة. صحيح أن السلطة هي المستفيد الرئيسي من هذا، إلا أن الحصيلة الهزيلة للسنوات الأربع التي خلت، وسعت كثيراً من دائرة الغاضبين. والذين شاركوا يوم الجمعة الماضي في الاحتجاج ضد السلطة دليل على ذلك، بقطع النظر عن عددهم وخلفياتهم. لا يتعلق الأمر بتواطؤ الأحزاب والجمعيات مع النظام، وليس الحل في التشكيك في مصداقيتها. الخطأ في التقديرات والحسابات لا يحجُب أن طبيعة الصراع لا يزال طويلاً، وما تحمله الأيام المقبلة قد يفاجئ الجميع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...