ثوابت المملكة المغربية بين الحقيقة والوهم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور محمد عوام
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

 

منذ سنوات ونحن نسمع بثوابت المملكة المغربية، والتي حددت في العقيدة الأشعرية، والمذهب الفقهي المالكي، والمذهب الصوفي على طريقة الجنيد، وهي ما عبر عنها العلامة ابن عاشر رحمه الله في منظومته (المرشد المعين على الضروري من علوم الدين) بقوله:
فِي عَقْدِ الأشعري وفِقْهِ مَالِكِ وَفِي طَرِيقِةِ الْجُنَيْدِ السَّالِكِ
هذه الثوابت الدينية، أو على حد تعبير أستاذنا العلامة أحمد الريسوني حفظه الله “الاختيارات الدينية”، هي ما جرى عليه علماء المغرب، وسلاطينه لمدة تزيد عن اثنتي عشرة قرنا، ولقيت قبولا حسنا، حتى ألفينا العلماء ينافحون عنها، ويرسخونها في الناس. فاستقرت بذلك في الوسط العلمائي والمجتمعي.
على أن هذه الثوابت لم يكن تداولها محصورا في المساجد، يلوك بها الوعاظ والخطباء ألسنتهم، ويتفنون في تطريز وتدبيج الحديث عنها، بتنميق الكلمات، واختيار الألفاظ الطنانة والعبارات، وإنما كانت هذه الثوابت محل نظر القضاة في قضائهم، والمفتين في فتاويهم، وحديث العلماء في مجالسهم ومناظراتهم. كما عليها تنشأ الأجيال في المدارس، والمساجد، وعلى رأس ذلك جامعة القرويين. وباختصار كانت هذه الثوابت عمدة الدولة المغربية في كل شؤونها، وما يتعلق بها، ولم تكن في يوم من الأيام محنطة، يتبرك بها، وتردد مثل ترانيم الكنائس.
والذي ساعد على تجميد هذه الثوابت، أو على الأقل محاصرتها هو دخول الاستدمار (الاستعمار) الفرنسي، الذي أخذ على عاتقه، محاربة الإسلام، والسعي في طمس هوية المغرب الدينية، ومحاصرة التعليم العتيق والأصيل، واعتباره القرويين الصندوق الأسود، على حد رؤية الجنيرال الفرنسي ليوطي. ثم استمر الحال على هذا المنوال، لا سيما عندما أزيحت الشريعة عن الحكم، واستبدلت القوانين الوضعية بها، التي دبجها في بداية الأمر فنيون فرنسيون على حد تعبير العلامة علال الفاسي رحمه الله في مقدمة كتابه (دفاع عن الشريعة)، وهو شاهد على هذه الحقبة من تاريخ المغرب. قال رحمه الله: “وفي المغرب لم يكن يخطر ببال أحد المناضلين الأولين، أن القانون الذي وضعه الفرنسيون لمقاصد استعمارية، سيصبح المتحكم في كل النشاط الإسلامي في المغرب…
ولم يكن يخطر ببال جلالته (محمد الخامس)، ولا ببالنا نحن أعضاء لجنة التدوين (تدوين الفقه الإسلامي حتى يكون القانون الرسمي للدولة)، الذين شرفهم جلالته بتعيينهم لأداء هذه المهمة، أن عملنا سيقتصر على مجرد الأحوال الشخصية. والدليل على ذلك أننا اشتغلنا في قسم الأموال، بعد إنجازنا للأحوال. ولكن قسم التشريع بالكتابة العامة، الذي يشرف عليه لحد الآن فنيون فرنسيون، أوقف أمر البت فيه، وترتب على ذلك أن توقف سير التدوين في بقية أبواب الفقه الأخرى.” (دفاع عن الشريعة 12).
أمام هذا التطور الذي حصل للدولة المغربية، يحق لنا أن نتساءل عما بقي من هذه الثوابت؟ ومدى جدية الدولة في تفعيلها وحمايتها؟ أم أنها أصبحت مجرد ثوابت موهومة بتعبير الإمام الغزالي رحمه الله؟ وغير ذلك من الأسئلة. قد تبدو محرجة لبعض الناس ولكنها تسائل الواقع، وتكشف الحقيقة لذي عينين.
والحقيقة المرة التي تنكشف أمامنا ونحن ننظر في السياسة الدينية للمغرب، أن هذه الثوابت مجرد شعار ترفعه الدولة، شعار فارغ أجوف، لا أثر له في الواقع، وبيان ذلك فيما يلي:
أولا: الإعلام المغربي الرسمي، الممول من مال الشعب، عبر الضرائب، لا يراعي هذه الثوابت، ولا يلتفت إليها في صياغة سياسة إعلامية هادفة، فكم سمعنا من مسلسلات ساقطة، تهدم الأخلاق، وتروج للخيانة الزوجية، وتطبع مع الرذيلة، مثل المسلسلات المكسيكية، ثم التركية، وغيرها. بالإضافة إلى التبرج المخزي المكشوف المفضوح، الذي لا يراعي خصوصية الأسر المغربية المسلمة، بل الفضيحة الكبرى حين تتم القبلات والعناق بين الممثلين في هذه المسلسلات، وأفراد الأسرة كلهم، كبارا وصغارا ينظرون إلى هذا البؤس والتسفل. فأين المراقبة على هذه الانحرافات الساقطة؟
أما الأغاني الساقطة والفاحشة والمتفحشة في القول والسلوك، مثل ما يسمى بالغناء الشعبي (الشيخات) وغير ذلك، مما يندى له الجبين، ويخالف الثوابت، فحدث ولا حرج، وفي مثله قال إمام مذهب المملكة مالك رحمه الله: “إنما يفعله الفساق عندنا”.
فهل هذا الإعلام بهذه الخصوصية الانحلالية والتفسخ الأخلاقي، وبهذا المنحى المتعمد لنشر الفسوق والفجور، سعيا منه لتغيير هوية المغرب يحافظ على ثوابت المملكة التي تدندن عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؟.
ثانيا: التعليم، وهو من غير شك يعتبر عمدة الدول، وروح فكرها وحضارتها، وحامل قيمها وثوابتها، والباني لمستقبلها، والمنشئ لأجيالها القيادية والفكرية. فهل تعليمنا فعلا يعبر عن ثوابتنا؟ وهل تصاغ وتشكل برامجه ومقرراته وفق هذه الثوابت أم أنه عمليا يتنكب هذا المهيع، ويستنكف عن هذا المنهج؟.
فمقرر اللغة الفرنسية، المشحون إلى حد ما بنصوص فرنسية، تعبر عن مجتمع وقيم غربية، مناقضة لثقافتنا المغربية، ومخالفة لعقيدتنا الإسلامية، ويظهر هذا وبخاصة في بعض الروايات الفرنسية. أما التعليم الخصوصي فجسده في المغرب ورأسه في فرنسا، يروج لمقرراتها ومناهجها، وأسوأ منه تعليم البعثات الأجنبية وعلى رأسهم فرنسا، مما يجعل التلاميذ مفصولين عن قيمهم الإسلامية، وحضارتهم وهويتهم المغربية. كما أن المقرر الدراسي لشعب الأدب العربي قد أزيحت منه مادة الفكر الإسلامي، التي كان التلاميذ يدرسون فيها المذهب الأشعري والمعتزلي، وغير خاف أن المذهب الأشعري أحد ثوابت المملكة العقدية، فكيف تقصى مادة إسلامية أصيلة، معبر عن أصالة المغرب المذهبية، وتستبقى فقط مادة الفلسفة الغربية، فأين مراعاة الثوابت هنا؟ ذهبت أدراج الرياح.
ثالثا: الاقتصاد. الواقع الاقتصادي يتعامل بالربا، وهي من الكبائر، فالأبناك أبوابها مشروعة على الربا، الذي اقتحم عقبته وزير الأوقاف أحمد توفيق نفسه، فطفق يروج لحلية الفوائد الربوية، مخالفا بذلك الإجماع القطعي المتيقن. ثم الغريب أن تنتشر دور القمار، وحانات الخمور، ويرخص لبيعها جهارا وعلانية، كأن هذا الترخيص -بحجة للأجنبي- لا شيء فيه، وأنه جائز، وهذا كله نقض لثوابت الدين، وهدم لما أجمع عليه علماء المسلمين. فالربا، والقمار، والخمر، والتبرج والعري،…إلخ من المنهيات فحرام، ومن اعتقد غير ذلك، فقد استحل ما حرم الله وافترى عليه، فيكون بذلك قد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
فأين المحافظة على ثوابت المملكة المغربية في مثل هذه المسائل؟ أليس الكلام عن الثوابت بحكم الواقع مجرد وهم وأن ما يرى في الواقع بخلاف ذلك؟
دولة المهرجانات فهل هي خطة لإعادة تشكيل ثوابت جديدة وترسيخها في المجتمع المغربي؟
في هذه الأيام تطلع علينا القناة الأولى الرسمية بسلسلة من الأخبار عن كثير من المهرجانات الغنائية على طول المملكة وعرضها، حتى يخيل إليك أن المغرب كله يرقص ويغني، مهرجان الشاطئ بتطوان، ومهرجان سوس ماسة، ومهرجان وجدة، ومهرجان الصويرة، ومهرجان مكناس…إلخ.
يقع هذا الإسراف والانحراف في الوقت الذي تتعرض فيه غزة لإبادة جماعية، ومجاعة شديدة، تقتل العشرات من الأطفال والشيوخ والنساء. علما أن المغرب يمثل رئاسة لجنة القدس، ثم هل من الإسلام والمروءة والإنسانية أن يتحول المغرب كله إلى ملاهي ورقص وغناء، وإخواننا بأرض فلسطين يموتون ويجوعون؟ أليست هذه انتكاسة في القيم والمبادئ؟
ثم أليس هذا إسرافا وتبديدا للأموال العامة فيما لا نفع فيه، ولا خير؟
ومن جهة أخرى أليست هذه المهرجانات بما تحمله من خراب على المستوى القيمي، وانتهاكات صارخة للإسلام، لما تتضمنه من غناء فاحش متفحش، ورقص النساء (الشيخات)، واختلاط الرجال بالنساء، والشباب بالشابات، وما يتبع ذلك من مخدرات وسكر علني، مناقضة لثوابت الأمة المغربية وعلى رأسها الإسلام، والبيعة المشروطة بحماية الدين لدى الناس، والدفاع عن العرض والشرف أم أن تلك الثوابت الحديث عنها والمحافظة عنها فقط داخل المساجد وأروقة المجالس العلمية؟
كل هذا يجعلنا نتساءل عن مدى مصداقية الدولة المغربية وجديتها في حماية هذه الثوابت؟، وإلا فالواقع يؤكد -بلا ريب- أن هناك سياسة ممنهجة للقضاء على هذه الثوابت في الواقع، ولو تغنى بها بعض الناس، ولو لهجت بذكرها وزارة الأوقاف، وأقامت بها الأوراد والعمارة الصوفية. فتصبح بذلك الثوابت من باب الوهم والخيال، لأن كل السياسة المتبعة سواء في التعليم، أو الاقتصاد، أو الإعلام، أو السياسة، أو الاجتماع، مناقضة لها، وقاضية عليها.
إذن نحن أمام سياسة جديدة ممنهجة لترسيخ ثوابت جديدة، وليست تلك التي يروج لها، هذه الثوابت الجديدة تعود على الأخرى (الإسلامية) بالإبطال والتعطيل، إلى أن يشاء الله عودتها على حقيقتها. وقد قال بشار بن برد:
‌متى ‌يبلغُ ‌البنيان ‌تمامه … إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟!
والله عز وجل يقول: “وَٱتَّقُواْ يَوۡما تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡس مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ” [البقرة: 281]

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...