“صرخة مغاربة العالم بسبب غلاء تذاكر السفر ودعوة لتدخل عاجل: ‘إيطاليا تلغراف’ تنشر تصريحات حصرية من الجالية”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

 

مع اقتراب العطلة الصيفية، تتجدد معاناة الجالية المغربية المقيمة بالخارج، خصوصًا بأوروبا، مع الارتفاع الصاروخي لأسعار تذاكر السفر إلى المغرب، سواء عبر الطائرات أو البواخر، ما أدى إلى موجة غضب واستياء واسعَيْن في صفوفهم، وخلّف تساؤلات كثيرة حول غياب الإجراءات الحكومية الكفيلة بتخفيف هذا العبء الثقيل عن كاهل أبناء الوطن في الخارج.

في منصات التواصل الاجتماعي، تتصدر شكاوى الجالية واجهة النقاش العمومي، حيث يعتبر كثيرون أن الأسعار المعروضة – والتي وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 1000 يورو للشخص ذهابًا وإيابًا – تُشكل حاجزًا حقيقيًا أمام زيارة الوطن، وتُقوّض حقهم في صلة الرحم، ومعانقة الأهل والأحباب بعد عام من الغربة والعمل الشاق.

وقد فجّر تصريح رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي قال إن “مغاربة الخارج يمكنهم زيارة بلدهم كل شهر بتكلفة تتراوح بين 300 و600 درهم”، موجةً من السخرية والانتقادات، حيث رآه عدد من أفراد الجالية تصريحًا معزولًا عن الواقع، ويعبّر عن غياب تام للإدراك بحجم المعاناة التي يواجهونها سنويًا مع تكاليف السفر.

صوت الجالية: شهادات من دول أوروبا المختلفة
تواصلت جريدة “إيطاليا تلغراف” مع نخبة من مغاربة العالم في دول مختلفة، وكانت ردودهم تعكس بوضوح حجم الأزمة:

وفي تصريح خصّ به “إيطاليا تلغراف” يوسف زاهر رئيس جمعية الحوار الثقافي المستقبل و رئيس المنتدى الوطني للشباب بإيطاليا

الجالية المغربية بالخارج لها أدوار مهمة ومتعددة منوطة بها، وهي فاعلة في عدد من المجالات، سيما مساهمتها في تنمية والرفع من الاقتصاد الوطني، سواء عن طريق التحويلات المالية أو المشاريع التي تقوم بها في الوطن، أو غير ذلك من تخفيف العبء على الأسر المعوزة. إلا أنه في المقابل تُصدم عند محاولة عودتها للوطن بعراقيل تحدّ من مردوديتها وإنتاجيتها، وفي الوقت الذي تقوم فيه الجالية بكثير من واجباتها اتجاه الوطن، تجد في المقابل أنها لا تستفيد من الحد الأدنى من الخدمات. فعلى سبيل المثال، تقدم دول أخرى لجاليتها – رغم البون الشاسع بين مساهمة الجالية المغربية وغيرها من الجاليات – كثيرًا من التسهيلات، سواء في السفر أو التذاكر أو الاستقبال، أو تبسيط المساطر الإدارية.

يمكن القول إن هناك جهودًا مبذولة في هذا السياق، لكنها لا تزال أقل من المطلوب. فعلى مستوى أثمنة التذاكر، يعاني مغاربة الخارج من الارتفاع المهول والمبالغ فيه في أثمنة الطائرات والبواخر المتجهة إلى المغرب. فبقدر ما تحرص العائلات على مرافقة أبنائهم إلى الوطن الأم، تمسكًا بالهوية وغرسًا للقيم والثقافة المغربية العربية الإسلامية، بقدر ما يصطدمون بأثمان خيالية تصدّ كثيرًا منهم وتُضَيّق على آخرين، مما يدفع عددًا من مغاربة العالم لتقليص مدة الإجازة، مما يؤثر على نواحٍ شتى، أو عدم الذهاب بشكل دوري لزيارة المغرب.

فيما يتعلق بالمؤسسات التي عيّنها جلالة الملك لخدمة مغاربة العالم، لا أعتقد أنها منتجة بالشكل الذي ينبغي، فكثيرٌ منها أصبح منهكًا في صراعات تنظيمية داخلية جعلت مردوديتها وحضورها في الساحة المجتمعية إما ضعيفًا أو منعدمًا. ولذلك، يجب عليها إذا أرادت أن يكون لها دور فعّال، أن تعيد بناء هيكلتها، وعدم الإقصاء الممنهج للكفاءات العلمية المغربية بالخارج، لتكون جزءًا من هذه المؤسسات بغية إعادة إحيائها.

السفر إلى المغرب يمثل لكل المغاربة الارتباط بالدين والهوية والثقافة والتقاليد، ويمثل العودة إلى جذور التاريخ المنبثقة من عبق الحضارة المغربية الأصيلة، والتعبئة الروحية والمعنوية، وتمتين الروابط الأسرية وغير ذلك مما يرتبط بشكل وثيق بطبيعة المغاربة وفخرهم بوطنهم الأم.

الشباب هم اللبنة الأساس لبناء المجتمع، والاهتمام بهم اهتمام بركن أساسي لبناء مستقبل الغد، ولذلك فإن ربطهم بوطنهم الأم وتاريخهم وهويتهم يعتبر أمرًا بالغ الأهمية، سيما في ظل الواقع المتغير والتحديات المعاصرة التي تواجههم بشكل مستمر ومتسارع.

ليس بالأمر الهيّن أن نربطهم ببلدهم ونجعلهم أكثر وفاءً وحبًّا له. فلتحقيق هذه الغاية، وجب تضافر الجهود بين مختلف الفاعلين، سواء الدولة والوزارات الوصية، أو جمعيات المجتمع المدني، والمراكز الإسلامية في الغرب، أو الأئمة والدعاة والمفكرين المغاربة المعتدلين، بتوفير مختلف الوسائل الضرورية لتوثيق روابطهم بوطنهم الأم.

من جانبه، أشارأحمد براو، الناشط الحقوقي في جنوب إيطاليا،بصفتي متواصلًا يوميًا مع الجالية المغربية في جنوب إيطاليا، ألاحظ كيف أن صعوبة السفر وغلاء التذاكر يُشكل حاجزًا حقيقيًا بين الأبناء وجذورهم الثقافية والعائلية. عندما يصبح السفر إلى المغرب تحديًا ماديًا ولوجستيًا، فإن فرصة التعرف على الوطن الأم والتواصل مع أفراد الأسرة تقلّ، فتتآكل الروابط ببطء.

الهوية لا تُبنى فقط في المناهج التعليمية أو الجوامع، بل في التجارب المعيشية: في زيارة القرية ومسقط الرأس، في سماع لهجة الجدّات، في صخب السوق الشعبي، وفي احتكاك مباشر مع الثقافة الحية. وعندما يُحرم الأطفال من هذه الرحلات، يُحرمون من أهم جسور الانتماء.

نعم، أخشى أن يؤدي هذا الغلاء إلى انقطاع عاطفي وثقافي يجعل الجيل الجديد ينشأ بجذور ضعيفة، وربما بهوية معلّقة بين عالمين. وهذا لا ينعكس فقط على الاندماج في المجتمع الإيطالي، بل على علاقتهم بالمغرب نفسه، والذي قد يتحوّل إلى صورة بعيدة لا يشعرون تجاهها بالانتماء الحقيقي.

هذه مسألة ليست فقط اقتصادية، بل تربوية وهوياتية، وأدعو الجهات المعنية إلى التعامل معها بالجدية التي تستحقها.

بصفتي ناشطا جمعويا حقوقيا سبق أن قمت بعدة أنشطة نضالية ومراسلات ولقاءات مع المؤسسات المعنية، كوزارة النقل ومجلس الجالية والبرلمان المغربي وعقدنا لقاءات مع البعثات الدبلوماسية المغربية بإيطاليا للأسف رغم كل المبادرات والجهود التي بذلناها والتي كانت تعتبر جرس إنذار لتفاقم الوضع. لكن مقابل إصرارنا على إيصال صوت الجالية المغربية بجنوب إيطاليا، يبدو أن هناك غيابا واضحا للإرادة السياسية المعنية اللهم بعض تدخلات المؤسسة الملكية والتي تبقى التفاتات موسمية تحتاج لرؤية تطبيقية مستمرة.
“لقد دقّنا ناقوس الخطر مرارًا، لا بتهويل بل بصدق يُجسده تعب المسنين ودموع الأطفال في محطات الانتظار. ما نطلبه ليس أكثر من حق بسيط: أن يشعر المغربي، أينما كان، أنه ليس غريبًا عن وطنه، وأن الطريق إليه ليس تحديًا وجوديًا بل صلة رحم ميسّرة.”

عادل العسري – رئيس جمعية العمال المغاربة بإيطاليا، وصف ارتفاع الأسعار بأنه “عبء كبير يؤدي إلى تراجع الزيارات الصيفية، مما يضر بالاقتصاد الوطني وبالروابط العائلية والثقافية”. وأضاف أن ما يجري هو “استغلال صريح” وطالب بتدخل عاجل من جلالة الملك محمد السادس حفظه الله وضبط الأسعار كما حدث في 2021، مؤكدًا على ضرورة تحمل حكومة عزيز اخنوش مسؤولياتها تجاه الجالية وعدم الصمت.

أما السيد جمال الدين ريان، الفاعل الجمعوي والسياسي المقيم بهولاندا، فعبّر عن الإحباط من غياب استجابة المؤسسات المغربية، رغم المحاولات المتكررة للتواصل مع الديوان الملكي والوزارة المكلفة بالمغاربة بالخارج. وأوضح أن مجلس الجالية لازال “جامدًا” ولم يقدم حلولًا عملية بخصوص أسعار التذاكر، مطالبًا بتفعيل التوجيهات الملكية التي تدعو إلى تحسين أوضاع مغاربة العالم.

في سياق متصل، اعتبر عبدالله بنصاديق، رئيس جمعية مغرب التنمية بإيطاليا.

ارتفاع التذاكر تزامنًا مع العطل هو عملية نصب تمارسها شركات الطيران بصفة عامة، والخطوط المغربية بصفة خاصة. أنا شخصيًا، ومنذ زمن بعيد، كنت ضد السفر في أوقات العطل لمقاطعة مصاصي الدماء من طائرات وبواخر. هؤلاء يستغلون حب المغاربة لوطنهم وارتباطهم به، لكن وصل السيل الزبى، وفطن المهاجر المغربي لهذه العملية التي أصبحت تُمارس عليه كل سنة. لكل هذه الأسباب، بدل وجهته إلى دول أقل كلفة وأحسن خدمة بكثير من المغرب. وفي انتظار تدخل الدولة لحمايتنا من هؤلاء اللصوص، أنا شخصيًا سأذهب إلى المغرب إلا في حالات الضرورة القصوى، وكثير ممن يتقاسمون معي هذا الرأي.

 عبد القادر الفرساوي، الصحفي المقيم بإسبانيا.

في الحقيقة تخفيف كلفة السفر على مغاربة العالم ليس رفاهية، بل حق مرتبط بصلتهم بوطنهم. المطلوب إرادة سياسية واضحة تفرض سقفا للأسعار خصوصا في مواسم الذروة عبر اتفاقيات صارمة مع شركات الطيران والملاحة، مع فتح المجال لمنافسة حقيقية بدل احتكار مستبد يرهق جيوب المهاجرين. ويمكن للدولة أن تخصص رحلات مدعومة، كما تفعل دول تعتبر جاليتها امتدادا استراتيجيا لها.
أما الضغط الجماعي، ففعاليته مؤكدة لا محالة إذا كان منظما ومؤطرا: جمعيات الجالية، النقابات، ومنصات التواصل قادرة على تشكيل قوة ضغط ناعمة تحرج الشركات والحكومة بالأرقام والحجج الاقتصادية. لقد أثبت التاريخ أن صوتا جماعيا واضح الهدف لا يمكن تجاهله.

حمادة سعيد، رئيس جمعية اليمامة بطورينو.

إذا أردنا أن نكون صريحين فيما يخص غلاء التذاكر بصفة عامة، سواء في الطيران أو الملاحة، نجد أحيانًا تعاطفًا من الدول الأوروبية أكثر وأفضل من بلدنا. وكما تعلم، فإن إسبانيا أصبحت فيها الطرق السيارة مجانية، لتشجيع المهاجرين على المرور وضخ الأموال في محطات البنزين والمطاعم والفنادق. وحتى الطيران المغربي، إذا أردنا مقارنته بالطيران الأوروبي، فهو أغلى.

ولهذا نحن سبق وأن تكلمنا في هذا الصدد أكثر من مرة، وقلنا إن السبب يرجع إلى ضرب خطابات صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرض الحائط، وأن الجالية ليس لها إلا الله وسيدنا نصره الله، الذي كلما وجهنا له نداء، كانت استجابته حاضرة. لكن الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تحقيق مطالبنا، يجب محاسبتهم ومتابعتهم.

ونداؤنا اليوم هو أن الأموال التي تُرسل بالمليارات إلى من يُسترزقون باسم الشأن الديني، ولم يتحقق منها شيء، من الأولى أن تُخصص لعملية العبور، عبر كراء أو شراء بواخر، وإضافة الطائرات خلال أشهر عملية “مرحبا”. ونطالب أن يتابع هذه العملية صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لأنه هو الوحيد الذي نضع فيه ثقتنا الكاملة.

والرسالة الأخيرة إلى السيد ناصر بوريطة، الذي هو غائب تمامًا عن قضيتنا، أن يستفيق، وأن يعطي هذه الأخيرة حقها، فهي تبقى قضية موازية للقضية الوطنية، ولا فرق بينهما، فكلاهما واحد.

الله، الوطن، الملك.

بدورها، نددت ثورية بوقصيبي، رئيسة جمعية المرأة والطفل بطورينو، بأن ارتفاع الأسعار بات خارج متناول العديد من الأسر المغربية، وناشدت المسؤولين إعادة النظر في سياسة التسعير لحماية الجالية ذات الدخل المحدود.

وأخيرًا، عبّر لفريندي نورالدين مدينة فدينتسا (عمالة بارما) – إيطاليا.
رئيس جمعية (مدرسة لتعليم اللغة الإيطالية للأجانب) و سيط في الثقافات المتعددة و مجاز في الدراسات العليا للتكنلوجيا.

قبل الجواب على سؤالكم، أود صادقا أن أشيد بمنارتكم الإعلامية “تلغراف إيطاليا” لما تعطيه من بدائل في ميدان أصبح ، و للأسف، متاحا لمن هب و دب؛ بعناوين صفراء عريضة كلها تطبيل و سخافة.

عودة إلى الموضوع، و بكل صراحة، لا أخفيكم قلقي المتزايد جراء ما يجول في نفسي (طبعا لست إستتناء بل كباقي المغاربة المقيمين بإيطاليا) كلما حان التفكير في العودة الصيفية إلى أحضان الوطن الأم.
كما تعلمون، لقد تم إستنزاف القدرة الشرائية لكل منا خلال الثلاث أو أربع سنوات الأخيرة، تحديدا بعد اندلاع الحرب بين روسيا و أوكرانيا. إذ شهدت أسعار المواد الأولية إرتفاعات أنهكت أرباب الأسر. و لم يعد بإستطاعة الكثير منهم إن لم أقل جلهم، توفير البعض من دخلهم -كما جرت العادة- ليتمكنوا من صرف قسط منه على واجبات السفر عودة مع أهلهم إلى مغربنا الغالي و اقتناء هدايا للأحبة، و قسط آخر من العملة الصعة يتم دخّه في الأبناك الوطنية. و نعلم جيدا أن مغاربة المهجر هم الرقم الأساسي فيما يتعلق بجلب العملات الدولية الصعبة.
كل هذا يُسْتَأنف بالخطوة الأولى و هي إقتناء تذكرة العودة. إذا -و منطقيا- يستحيل الكل ما إن تعدر هذ الشرط. و واقع الحال، و حسب علمي، أصبح من الطامات العظمى و الشغل الشاعل للمهاجر توفير ثمن التذاكر لغلائها الفاحش. بعدما كان في السابق كل ما يشغل بالنا هو العودة في حد ذاتها شوقا لرائحة الوطن و معانقة الأهل و الأحبة. اليوم و للأسف، كل همنا هو ترك دخل ثلاتة/أربعة أشهر فقط لشركة نقل بحرية لا تعرف سوى الجشع و الربح السريع على حساب من يتعب كل السنة من أجل حسابهم، أو لشركات الملاحة الجوية ( أخص بالذكر تلك التي تحمل إسم “الملكية” و لكن تفتقر لصبغة “الوطنية”).
الجانب الآخر و الأهم، كما أشرتم في سؤالكم، هو العزوف عن العودة بنفس الدوافع التي سبق و أن ذكرتها. و مدى تأثيره على أواصر الربط بين المهاجر و بلده الأصلي، و كيف سيؤدي ذلك سلبيا على أبناء الجيل التاني هنا بإيطاليا. تكلمت مع بعض الشباب ممن يشتغلون، و لم يفاجئني ردهم “البديهي” على تفضيل وجهات أخرى غير بلد الآباء و الأجداد. لم يتوقفوا على ثمن تذاكر السفر بل كذلك غلاء الأسعار الذي تشهده المدن السياحية المغربية كلما دقت أجراس الصيف.
إن لم يتم التدخل ممن يعنيهم أمر هذه الفئة من المواطنين، فسوف نفقد صبغة “المواطنة” من الأجيال المقبلة. و سيبقى الإنتماء مجرد “عادة” إن لم تكن “بدعة” في قاموس أبنائنا. لا يجب الاستخفاف من عظمة الأمر، قد يبدو شيئا عارضا للبعض، لكنه مصيريا لمن ينظرون لموضوع “أبناء المهجر و جدلية الإنتماء” بعين تاقبة.
لنقم جميعا برفع هذا الصوت و أن نكون لسانا لمن يخونه التعبير عن رأيه في هذا الموضوع. و طبعا أنتم المنبر و الصوت النزيه الذي يتحسس هموم أبناء الوطن هنا بإيطاليا، فلا تتوقفوا عن العمل الدؤوب و أن يبقى شعاركم -كما عهدناكم في مقالاتكم- “لا لكبح صوت المهاجر”.
وفقكم الله لما فيهم الصلاح.

من ألمانيا، قال حجاج أبوبكر المقيم بألمانيا، رئيس جمعية البيت المغربي الألماني،لا يخفى على الجميع العلاقة الوجودية التي تربط مغاربة العالم ببلدهم الأم وارتباطهم القوي بالوطن، وتعلقهم بمقدساته، وحرصهم على خدمة مصالحه العليا رغم المشاكل والصعوبات, كما لايخفى على الجميع مكانتهم الرفيعة في قلب جلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي أكد ما مرة في خطاباته السامية عن المكانة الرفيعة والاهتمام الخاص الذي يحضى بها مغاربة العالم.
ومنه لا يمكن هكذا إجراء مقارنة بين ما يقدمه المغرب وما تقدمه البلدان الأخرى لجاليتها. فإذا كان الكلام هنا فقط على العطل الصيفية فالمغرب قدم ويقدم دائما إجراءات لتسهيل تنقل مغاربة العالم خلال فترة الصيف ، زد على ذالك محاولة زيادة عدد الرحلات الجوية والبحرية وتوفير أسعار تنافسية مقبولة لا تؤثر كثيرا على ميزانية مغاربة العالم.
طبعا هناك إشكالات وإكراهات تتعرض لها كل البلدان في العطل الصيفية، تتمحور حول تزايد الطلب على السفر عبر الرحلات الجوية والبحرية وتضارب الأسعار بين الوسطاء وارتفاعها في بعض الأحيان.
– ما الذي ينقص في التعامل مع ابناء العالم.
بالنسبة لولاية برلين يجب أن نشيد بما تقدمه مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج من خلال برامج ومخيمات صيفية سنوية لأبناء الجالية المغربية.
لكن لازال هناك خصاص كبير يخص القطاعات التالية:
التربية والتعليم لأبناء الجالية المغربية.
إنشاء خطوط جوية مباشرة تربط العاصمة الالمانية برلين والعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.
إنشاء مسجد مغربي بالعاصمة الالمانية برلين.

كما أشار عبد الكريم فرحات، مقيم بايطاليا، إلى غياب إرادة سياسية حقيقية لتخفيف العبء عن الجالية، واقترح إجراءات تنظيمية مثل خفض رسوم المطارات في أوقات الذروة، عقد شراكات مع شركات الطيران، ودعم النقل البحري، مؤكدًا أن الحلول ليست مستحيلة إن وُجدت النية السياسية.

صيف باهت وتراجع غير مسبوق في أعداد الوافدين
موسم صيف 2025 شهد تراجعًا لافتًا في عدد مغاربة العالم العائدين إلى أرض الوطن، وفقًا لمعطيات وشهادات ميدانية من الموانئ والمطارات. فقد غابت مشاهد الاكتظاظ المعتادة عن معابر مثل ميناء طنجة المتوسط، في ظل أرقام دون التوقعات، رغم تزامن العطلة مع مناسبات كبرى كـعيد العرش.

وتشير التقارير إلى أن بعض التذاكر عبر البحر، خصوصًا من ميناء جنوى الإيطالي إلى طنجة، بلغت 4000 يورو لسيارة نفعية وشخصين فقط، بينما سجلت رحلات جوية منخفضة التكلفة أسعارًا قاربت 900 يورو للفرد. هذه التكاليف دفعت عددًا من الأسر إلى إلغاء أو تغيير وجهة عطلتهم، مفضلين السفر إلى تركيا، كرواتيا، ألبانيا، أو حتى البقاء في بلدان الإقامة.

الغلاء الفاحش في أسعار النقل لم يمس الجالية فقط، بل امتد أثره إلى الداخل المغربي، حيث سجّل أصحاب الفنادق، والمطاعم، والمحلات، تراجعًا كبيرًا في الحركة التجارية المعتادة خلال الصيف، خاصة في مدن الشمال. كما رُصدت أسعار خيالية في بعض المناطق السياحية، بلغت فيها قنينة ماء معدني 50 درهمًا، وهو ما اعتبره الكثيرون مبالغة تعكس غياب رقابة حقيقية على الأسعار وجودة الخدمات.

القطاع السياحي، الذي يعوّل بشكل كبير على أفراد الجالية، يبدو الأكثر تضررًا. وقد يُكلف هذا التراجع ميزانية الدولة والاقتصاد الوطني ملايين الدراهم من العُملات الصعبة التي عادةً ما يُضخها مغاربة الخارج خلال موسم العطلة.

بين الإحباط والتهميش: من ينصف مغاربة العالم؟
في ظل هذه الأوضاع، يُعبّر أفراد الجالية عن شعور عارم بالتهميش، ويطرحون أسئلة مشروعة: أين وزارة الجالية؟ أين مؤسسة الحسن الثاني؟ أين مجلس الجالية؟ ولماذا يغيب أي تحرّك ملموس يُراعي أوضاع الجالية ويُوفّر حلولًا عاجلة لأزمتها المتكررة مع ارتفاع تكاليف السفر؟

وفي المقابل، تتجه أنظار أبناء المهجر نحو جلالة الملك محمد السادس، الذي اعتادوا منه المبادرات الحكيمة والمنصفة في مثل هذه اللحظات، ويتمنّون أن تصل هذه الرسالة إليه، من أجل تدخلٍ ملكي يعيد التوازن، كما حدث في مبادرة 2021 التي خفّضت التكاليف بشكل كبير خلال أزمة كورونا. 
ليست مطالب مغاربة الخارج بالأسعار المعقولة ترفًا أو امتيازًا، بل حقًا أصيلًا ومشروعًا في الحفاظ على الروابط العائلية والثقافية والدينية، كما أنها ركيزة من ركائز التنمية الوطنية. فأفراد الجالية لا يطلبون دعمًا ماليًا، بل فقط إرادة سياسية تضع حدًّا لهذا الجشع الموسمي الذي يُسيء لصورة البلاد.

وفي هذا السياق، يُجمع المغاربة بالخارج على أن الأمر لا يحتاج سوى إلى قرارات شجاعة ومنطقية، تعيد الثقة وتُقوّي صلة الرحم، وتُظهر أن الوطن يحتضن أبناءه في الداخل كما في الخارج.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...