رحم الله صاحبات “الكاغط لزرق” إلى أمي ودادا رحمهما الله

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. الحبيب ناصري
المغرب

 

 

 

عديدة هي التحولات التي تقع في مجتمعنا المغربي، خصوصا على مستوى الجوانب الحياتية الاجتماعية، التي تمس نمط تدبير بعض التقاليد والعادات، الخ. بكل تأكيد فالحياة تغيرت. تغيرت حتى رائحة الفواكه والخضر، وطبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة وخارجها. هذه التغييرات العديد منها، هو وليد تطور العالم، في زمن لم يعد الأب والأم، والجد والجدة، والعم والخال، وكبير الأسرة، والجيران، والمدرسة، الخ، عناصر مؤسسة لبناء شخصية الفرد والجماعة، بل اليوم الهاتف المحمول الموجود في الجيب، هو من يحدد طبيعة التربية والقيم، الخ.
أعتز أنني عاصرت العديد من التحولات المجتمعية المغربية. عشت في فترة الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات، أزهى وأحلى الأيام العائلية العفوية. لم أولد وفي فمي ملعقة ذهبية، ولا في جيبي هاتف محمول، بل كنا خلاصة طبيعية للطبيعة والأسرة بشكل عام، وفي مقدمتها الأم. بكل تأكيد فالأم كائن إنساني وروحي غير عاد. إنها قطعة وجدانية تتحرك على الأرض. معظم أمهات تلك الفترة، لم يكن متعلمات، ولا فاهمات في السياسة، ولا في جوانب الحياة العميقة. كن بسيطات جدا.
كانت الأم حريصة على إطعام أولادها بما لديها في البيت، خصوصا، وذلك الزمن، كان من الصعب أن تجد فيه أسرة تأكل خبز السوق أو تأكل خارج البيت. من يشتري خبز السوق، إشارة على أن أمه مريضة أو مسافرة (إذا اشتراه أحد الأبناء). أن تحمل خبزة بين يديك، وأنت طفل تجري نحو البيت، معناه أن أمك مريضة أو مسافرة. كانت هذه الإشارة كافية لتحرك الجيران، خصوصا النساء المجاورات للبيت، من أجل التكفل بمنح البيت الذي توجد فيه أم مسافرة أو مريضة خبزة يوميا أو أكثر حسب عدد الأفراد. حينما أقول خبزة، فلا مقارنة بخبزة اليوم المغشوشة أصلا. الخبزة في ذلك الزمن، كنا نسميها، ” رويدة” سيارة. كانت كبيرة. وكل الخبز كان يطهى في الفرن التقليدي بالحي الذي كنا نسكنه. أتحدث هنا عن زمن لم تظهر فيه الأواني الإلكترونية الملعونة.
طبعا من العادات والتقاليد التي تغيرت، من الممكن تقديم نموذج الأعراس. كانت الأعراس في الفترة التي أشرت إليها، وهي بالنسبة لجيلي، الفترة الذهبية، تقام تحت الخيام، خصوصا في البوادي، أما في المدن فبدورها كانت تنظم تحت الخيام أو فوق سطوح البيوت. لم يكن أي وجود لقاعات الحفلات، أو ممونها، أو كل هذه المظاهر الجديدة التي تطورت وأخذت أبعادا لم يكن أحد منا يتوقع حدوثها.
وفي إطار الأعراس، تغيرت طبعا حتى طبيعة الأكل. فمعظم ما كان يقدم في أعراس الأمس، المرق باللحم والبصل والزبيب أو البرقوق و(السفة)، ويتبع بالعنب والذي كان يوضع مباشرة من صندوقه، إلى صحن الضيوف، فلم تكن الأدوية قد تلاعبت بمكوناته بحثا عن الربح السريع، كما هو اليوم. طبعا كل ما كان يؤكل كان طبيعيا، ومن عطاء الطبيعة وبأياد نسائية بدويات في الأصل، يعرفن جيدا خبايا الطبيعة. لم يكن، في تلك السنين المشار إليها، خصوصا في فترة الستينيات والسبعينيات، وضمن وجبات الأعراس، الدجاج الرومي مثل اليوم.
حينما كانت الأم تحضر لعرس من الأعراس البعيدة عن العائلة، والتي توجه لها الدعوة لوحدها، وأحيانا توجه الدعوة للأب وللأم معا، كانت فرصة نتحرر فيها من “سلطتها” و”سلطة” الأب، فكنا نلعب في تلك اللية كل ما يحلو لنا من ألعاب الخ. في الوقت نفسه، لا أحد منا ينام حينما تكون الأم ضيفة في عرس أو حتى في مأتم. لابد من “بركة” طعام العرس أو المأتم. لابد من قطعة خبز مبللة بالمرق ووسطها قطعة لحم، ومع هذا ما تيسر من (السفة).
في وسط “كاغط لزرق” (ورق خاص بتلفيف سكر القالب)، كانت الأمهات يضعن تلك “البركة”. قد يكون من حقهن، وقد تنعم صاحبة العرس، مثلا، بتوزيع ما “شاط” من الأكل على الأمهات. المهم كلما كانت الأم مدعوة، إلا وضمنا عودة ميمونة ومصحوبة ب”غنيمة” لا يمكن النوم دون التدافع من أجل نزع حق وسط أسرة مغربية معروفة بتعدد أفرادها. كانت البركة حاضرة في تلك “البركة” التي كانت تحضرها الأم. وحتى إن تعطلت الأم، و”فتك” بك النوم، ونظرا لقلبها الضارب في عمق الحنان والوجدان والطهر، خصوصا بالنسبة لصغير العائلة، كانت تنهضه من نومه، وإن لم يستطع تدخل في فمه تلك اللقيمات، وكان يمضغها وهو شبه نائم، لأن رائحة ذلك الطعام لا تقاوم، بل كيف لا يمضغه النائم وبطنه فارغ تلك الليلة، بعد أن ذهبت الأم للعرس وهي تعلم علم اليقين أن بطون أولادها في تلك الساعات المتأخرة من الليل ستكون فارغة، بل أمعاؤهم تتراقص من شدة الجوع، واللعب طيلة فترة غيابها عن البيت.
شخصيا، لازالت رائحة تلك اللقيمات الآتية من تلك الأعراس أو المآتم، خصوصا حينما تخرجها الأم من “الكاغط لزرق”، ضمن ذكريات الماضي التي أتكئ عليها، وأنا الآن في “أرذل” العمر. بل هي جزء من ذلك الزاد الطفولي الذي من الصعب أن تتذوقه أجيال اليوم التي ولدت، وفي فمها العديد من الأطعمة، والتي كنا لا نأكل بعضها إلا “تلذذا” وعبر رسومات كان المعلم يطلب منا رسمها داخل القسم أو ضمن واجبات الدروس في البيت، وأقدم هنا بعض الأمثلة، مثل التفاح والموز والإجاص، الخ.
رحم الله أمهاتنا الرائعات اللواتي كنا جميلات في كل شيء، حتى وهن يعنفننا من أجل أن نكون رجالا، أو من أجل حفظ دروسنا، أو من أجل أن نقوم ببعض المهمات العائلية ذات الطبيعة الاجتماعية مثل إيصال “وصلة” الخبز إلى الفرن الشعبي الموجود في الحي، أو حينما يكن بصدد تعويمنا وتنظيفنا، الخ.
ها نحن نتقدم في العمر، وكلما وجهت لي دعوة الحضور لعرس، أو مناسبة، تذكرت “الكاغط لزرق” لأمي رحمها الله، وكيف كنا ننتظره، خصوصا ورائحته تحيلنا على العرس وعلى العيطة والرقص والغناء، الخ. لذة ذلك الطعام، من الصعب اليوم أن تعثر عليها، حتى ولو تناولت الطعام في أغنى فنادق هذا العالم. طعام “الكاغط لزرق” كان سليل الطبيعة، وكانت الأيادي التي تعده، بدورها، وليدة الطبيعة (طبخ طبيعي بمكونات طبيعية)، بل أكثر من هذا كنا في هذه الفترة، لا نذبح غير المواشي الطبيعية، والتي كانت تأكل من الطبيعة، بل لم تكن مواد العلف المصنعة قد دخلت “دوارتها”.
لن أنسى شخصيا لذة ما كان ب”الكاغط لزرق” من طعام. عادة ما كان قطعة لحم بقر أو غنم أو دجاج بلدي، وسط قطعة خبز مبللة بالمرق، وهو المرق الذي، وعلى الرغم من كونه كان يحدث بعض البقع في هذا “الكاغط لزرق”، لكنه كان يجد صعوبة في اختراقه. كيف يخترق المرق “الكاغط لزرق”، الذي كان أكثر مقاومة له، وكأنه بهذه يريد أن يحمي انتظارات كل الأطفال الذين كان يسيل لعابهم حينما تطرق الأم الباب، بل كان لعابنا يسيل بمجرد مشاهدة الأم تستعد للذهاب للعرس.
شكرا “للكاغط لزرق” الذي حمى المرق وحمى لذة ما فيه. شكرا لأمهاتنا الجميلات. كل الرحمة الإلهية نرجوها لكن.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...