عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في عمق جبال الأطلس، وتحديدًا في دوار تازروفت بجماعة سيدي يعقوب – إقليم أزيلال، تعيش عشرات الأسر مأساة يومية تُختزل في كلمة واحدة: العطش.
هذا ليس عنوانًا دراميًا، بل وصف دقيق لحقيقة قاسية يتجرعها السكان بصمت، بعيدًا عن أعين الكاميرات وأغلفة التقارير الوزارية المنمّقة.
لسنوات، كانت “عين طبيعية” بسيطة هي المصدر الوحيد للماء الشروب في هذا الدوار الجبلي، لكن مع توالي موجات الجفاف، جفّت العين وتبخر معها حق دستوري أساسي: الحق في الحياة.
اليوم، يقطع السكان – أطفالًا وشيوخًا ونساءً – رحلات مهينة تدوم لساعتين على ظهور الدواب فقط لجلب كمية من الماء بالكاد تكفي ليوم واحد.
في زمن الحكومة الرقمية والنموذج التنموي الجديد و”الجيل الأخضر”، هناك مواطنون مغاربة يعيشون كما لو كنا في القرن 19، بلا ماء، بلا اهتمام، بلا كرامة.
مسؤولية من؟
لقد اشتكى السكان مرارًا، وطرقوا كل الأبواب الممكنة:
لا استجابة من السلطات المحلية،
لا مبادرة من المجالس المنتخبة،
ولا حتى مجرد تضامن لفظي من البرلمانيين أو الأحزاب التي تملأ الدنيا بشعارات الدفاع عن العالم القروي.
فمن المسؤول عن ترك مواطنين مغاربة يواجهون العطش؟
من يتحمل نتائج هذا الفشل الحكومي الصريح في تأمين أبسط شروط الحياة الكريمة؟
ومن سيحاسب أولئك الذين غابوا طوعًا عن أداء واجبهم، وتركوا الوطن العميق لمصيره؟
رسالة إلى حكومة أخنوش والبرلمان:
كيف تتحدثون عن “تنمية قروية” وأنتم عاجزون عن إيصال الماء إلى مواطن مغربي؟
كيف تتبجّحون بإنجازاتكم، وهناك أطفال في تازروفت يستيقظون كل صباح على صرخة عطش بدل صوت المدرسة؟
ما جدوى كل هذه الخطط والاستراتيجيات إذا كانت النتيجة: رحلات على ظهور الدواب لجلب الماء في مغرب 2025؟
هذه ليست مجرد أزمة… إنها جريمة
ما يحدث في تازروفت لا يمكن اختزاله في “نقص خدمات”، بل هو جريمة صمت جماعية، وجريمة إهمال سياسي وأخلاقي.
إن استمرار هذا الوضع هو إهانة للمواطنة، وإعلان ضمني بأن هناك فئة من المغاربة خارج حسابات الوطن.
ومن هذا المنبر، نرفع صوت سكان تازروفت عاليًا، ونقول لحكومة أخنوش، وللبرلمانيين الذين “لا يظهرون إلا في الانتخابات”:
كفى صمتًا، كفى غيابًا، كفى تهميشًا.
هؤلاء ليسوا مجرد أرقام سكانية في تقارير وزارة الداخلية، بل هم أرواح وعائلات تستحق الحياة الكريمة مثل باقي المغاربة.
فمن لا يستطيع أن يضمن الماء… لا يحق له أن يتحدث عن التنمية.





