برعاية أمريكية لقاء سوري–إسرائيلي في قلب باريس

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

 

في تطور سياسي استثنائي، تستضيف العاصمة الفرنسية باريس لقاءات وصفت بـ”الحساسة” بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، في مشهد يشي بتحولات عميقة في المشهد الإقليمي لما بعد عقدين من القطيعة. اللقاء، وإن لم تُكشف تفاصيله الكاملة، يعكس نضوج ملفات ظلّت مؤجلة لعقود، وربما بداية تحول في طبيعة الاصطفافات الإقليمية التقليدية.

ما يلفت الانتباه في هذا اللقاء ليس فقط أنه يجمع طرفين ظلا على طرفي نقيض سياسي وأمني منذ حرب 1973، بل أن حدوثه يأتي في ظل واقع سوري داخلي جديد كليًا، بعد انهيار نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وصعود حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع تتبنى خطابًا أكثر انفتاحًا.

الحوار السوري الإسرائيلي في باريس، سواء كان مباشرًا أو عبر وسطاء، لا يُقرأ بمعزل عن مشهد إقليمي يتغير بوتيرة سريعة، حيث باتت الملفات الأمنية على الحدود، خصوصًا في الجنوب السوري والجولان، موضع تفاوض بدلاً من التلويح بالسلاح.

المبعوث الأميركي توم براك، الحاضر في هذه اللقاءات، لا يمثّل مجرد حضور دبلوماسي، بل يلعب دورًا يُشبه “المهندس الصامت” لترتيب تفاهمات تمنع انفجارًا وشيكًا في خاصرة الشرق الأوسط. واشنطن تدرك أن الحفاظ على توازن هش في جنوب سوريا بات ضرورة أمنية لا سياسية فقط، في ظل تضاؤل نفوذ القوى التقليدية وظهور قوى جديدة على الأرض.

الولايات المتحدة – وإن لم تعلن رسميًا عن رعايتها للقاء – إلا أنها تبدو ماضية في هندسة تفاهمات ما بعد الحرب، قد لا ترقى إلى معاهدات، لكنها تُرسي خطوطًا حمراء تمنع الانزلاق إلى صراع أوسع.

الإدارة السورية الحالية، التي تولت الحكم إثر تغييرات دراماتيكية في نهاية عام 2024، تُواجه ملفات شائكة، من إعادة بناء مؤسسات الدولة، إلى ضبط الأمن في مناطق حدودية ظلت لعقود بؤرًا للانفلات والتدخلات الخارجية.

لقاء باريس يأتي في هذا السياق، كجزء من محاولة دمشق الجديدة تثبيت أقدامها عبر خلق توازنات واقعية، دون التصادم مع القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل. وعلى الرغم من عدم صدور بيان رسمي واضح حول اللقاء، إلا أن مجرد القبول بالحوار يشير إلى نهج مغاير يُعيد تعريف طبيعة العداء والاصطفاف.

بالنسبة لإسرائيل، فإن الحوار مع سوريا – حتى إن كان محدودًا – يمثل تحوّلًا من أسلوب الردع بالغارات الجوية إلى محاولة تثبيت واقع جيوسياسي أكثر استقرارًا، خاصة في ظل الانشغال الإسرائيلي بجبهات متعددة.

إسرائيل، التي تحتفظ بهضبة الجولان وتُكثّف وجودها الأمني في جبل الشيخ، باتت معنية بتأمين حدودها الشمالية عبر ترتيبات مع السلطة الجديدة في دمشق، بدلًا من البقاء في حالة استنزاف دائم.

لقاء باريس ليس بالضرورة نهاية لصراع استمر لعقود، لكنه بداية طريق غير مألوف، بدأ بخطوات صغيرة في العاصمة الفرنسية، ويُتوقع أن يمتد إلى مسارات تفاوضية طويلة ومعقدة.
في زمن تنهار فيه التحالفات التقليدية وتُبنى تفاهمات على أنقاض العداء، يبدو أن المنطقة تتجه إلى مرحلة لا يُكافأ فيها الصمت ولا تُدين الحرب، بل يُصاغ فيها الأمن عبر التفاوض، ولو من خلف الأبواب المغلقة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...