رزق من فحم و دخان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

في مدينة مراكش، رفع عمال مقاهي الشيشة عقيرتهم بالشكوى، وقرروا أن يتخذوا من الشارع منصة للاحتجاج، معلنين أن السلطات تشن حملة استثنائية تهدد أرزاقهم. واللافت في خطابهم أن القضية لم تطرح من زاوية القانون أو الصحة العامة، بل من زاوية “لقمة العيش”. فالمعادلة عندهم بسيطة حد السذاجة: إذا كان الأمر يدر المال، فهو إذن مشروع وجدير بالدفاع عنه.
ولكن، إذا مددنا هذا المنطق قليلا، سنصل إلى عوالم عبثية: غدا قد يخرج مروجو المخدرات ليهتفوا أن تجارتهم “مصدر رزق”، ثم يلتحق بهم النشالون وهم يصرخون: “لا تمسوا جيوبنا، فهي قوت أولادنا”، وقد نرى حتى محترفي الغش في الأسواق يرفعون لافتات: “أعيدوا لنا الحق في الميزان المختل، فقد ربى أبناءنا!” بل قد تخرج بائعات الهوى ليحتججن بدورهن، وهن يقلن بجرأة: “لقد أعطانا الخالق ما نسترزق به، فمن أنتم لتقطعوا رزقنا؟”
المشكلة ليست في الشيشة وحدها، بل في الفكرة التي تشرعن كل انحراف أو عادة ضارة باسم “الرزق”. المجتمع لا يقاس فقط بعدد الأفواه التي تطعم، بل بالقوانين والأعراف التي تضبطه، وبالحدود الأخلاقية التي تمنع الانزلاق إلى الفوضى. فالشيشة ليست مدرسة تعلم، ولا أرضا تُزرع، ولا دواء ينقذ حياة. إنها دخان كثيف، يملأ الرئة بالعلل، ويترك في الجيوب ثقوبا أوسع من أن ترقّع، ويقايض الصحة بأوهام عابرة.
إنها مفارقة تستحق التأمل: مجتمع يئن من ضغط المستشفيات وأرقام السكري والكولسترول وأمراض الصدر، ثم نجد من يطالب بأن ترفع “المضايقات” عن مقاهي الشيشة، وكأنها مؤسسات وطنية للصحة والرفاه. أليس في الأمر شيء من السخرية السوداء؟
إن “الاحتجاج من أجل الشيشة” يلخص مأساة التفكير المقلوب: بدل أن نحتج من أجل تعليم أفضل، أو مستشفيات أنظف، أو شوارع بلا حفر، أو فرص عمل تحفظ الكرامة، نجد أنفسنا ندافع عن أفران الدخان ومواقد الفحم. حقا، من يرفع شعار “الشيشة مصدر رزقنا” عليه أن يواجه المرآة: ليس كل ما يدر المال يستحق البقاء، ولا كل ما يعيل البطون يعفي من حساب

التاريخ.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...