«غربة في زمن الخاكي»: كيف تتهاوى القيم تحت ضغط الخوف؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

سامح الخلف
ناشر ومترجم سوري

 

 

في «غربة في زمن الخاكي» يشيِّد محمود حسن الجاسم رواية اغتراب مكتوبة بنَفَسٍ اعترافيٍّ حادّ، تُزاوج بين اليومي الشخصي والهمّ العام، وبين سيرة الفرد وحكاية الجيل. ينطلق النص من عصفٍ رمليٍّ يطمس معالم «العدنانيّة» في المشهد الافتتاحي، فيكون الغبار استعارةً لقدرٍ أشدّ قتامة يهبط على البطل عماد. مطاردةٌ أمنية خاطفة، إهانةٌ مُمنهَجة، وأمرُ ترحيلٍ يخلع عنه انتماءً صاغته خمسةَ عشر عاما من الدراسة والعمل والحب. تتحرك الرواية منذ صفحاتها الأولى في إيقاعٍ مُتوتِّر يضع القارئ داخل لحظة السقوط، حيث يُنتزع الجواز وتُطلب «المراجعة فورا»، فتُختزل العلاقة بين الإنسان ومكانه إلى صيغة أمرٍ باردٍ ومهين.
يعود عماد مع أمِّه إلى «المرج»؛ لا إلى وطنٍ يُبلسم الجراح، بل إلى مطارٍ يعبق برائحة الخراب وأسئلة الأمن، ثم إلى بيتِ عائلةٍ يتداعى تحت ضربات الحرب والذاكرة. هنا تتبدّل ملامح الوجوه، وتشيخ الصور على الجدران، وتتحول المضافة التي كانت تُعلَّق فيها «بدلة الخاكي» إلى ظلٍّ ثقيلٍ لمرحلةٍ تتآكل من الداخل. تُصوّر الرواية استقبال الأقارب بلهفةٍ ممزوجة بالخجل والعجز؛ وتلتقط بعينٍ دقيقة خفوتَ الصوت المدني تحت هدير الشعارات، حتى يغدو استرداد الهاتف المسروق، أو تجنب تعليقٍ أمنيٍّ شأنا مصيريا.
تنتظم الرواية في وحداتٍ تُعنون «عقبات المرج»؛ وهي بنيةٌ فصليةٌ تعيد إيقاع الاختناق بجرعاتٍ محسوبة: ليالٍ «سود» لا يزقزق فيها العصفور، قذائفُ بعيدة، يقظةٌ قَلقَة، وبيتٌ مُصادَرٌ لا يعود إلا بعد «مبلغٍ» يُسلّم كأنه دينٌ في صفقةٍ تجارية. بهذا المعنى لا تكتفي اللغة بوصف الفساد، بل تُجسّده في طقوسٍ يوميةٍ يضبطها «الخاكي» كآليةٍ شاملةٍ للتسلط والنهب وتطبيع المهانة. وتبلغ السخرية السوداء ذروتها حين تُوصَف منظومة السمسرة بوصفها «معهدا» تتفتّح «زهوره» على سمومٍ لا تُثمر إلا مزيدا من الفساد. على المستوى الرمزي، يشتغل «الخاكي» في الرواية علامةً كثيفة الدلالة: لوناً لبدلةٍ ونظامٍ وذاكرةٍ في آن. الخاكي هو خطابٌ تعبويٌّ يُعيد تشكيل الأخلاق العامة، يُجيّش ويُصادِر ويُجرّد الفرد من حقوقه تحت لافتات «الوطن» و«الثورة»، ويُحوِّل الأفراد إلى «روبوتات» مُبرمَجةٍ على التنفيذ وجمع الراتب آخر الشهر. وحين تتدلّى البدلة القديمة في زاوية المضافة كتعويذةٍ باهتة، يكون النص قد أنهى تفكيك الأسطورة: ما عاد الخاكي وساما، بل بقايا طقسٍ سلطويٍّ فقد مبرراته الأخلاقية.

غير أنّ الرواية لا تُشيَّد على محور القمع وحده؛ فهناك محورٌ عاطفيٌّ متين يمنح النص حرارته الداخلية: حبُّ عماد لريم ابنة «المشهور»، حبٌّ مُستحيلٌ في بنيةٍ اجتماعيةٍ تُصنّف «الآخر» وتحتقره وتُراقب المرأة وتبتزُّ حريتها. تعالج الرواية هذا الخيط بذكاءٍ سرديٍّ: لقاءاتٌ خاطفة في مقاهٍ مُحاطةٍ بعين الخادمة والحذر، نصوصٌ شعريةٌ تتدفق من هاتف ريم، ووعودُ هروبٍ إلى ألمانيا حيث تتكلم الحرية لغةً أخرى. لا رومانسيةَ زائدة هنا؛ فالعلاقة مكتوبةٌ بأعصابٍ مكشوفة، حيث المقهى ملاذٌ هشّ والحروفُ تُقال بالرمز اتقاءً للعيون. من جهة البناء الزمني، يعمل النص على ارتجاعٍ كبير يردُّ أصل الحكاية إلى قرار الإعارة الذي اتخذه الأبُ الدكتور جمال: أربعُ سنواتٍ ونعود، حلمُ بيتٍ فسيح قرب الجامعة، ثم انزلاقٌ تدريجيٌّ إلى إقامةٍ تطول ومكاسبَ تُعمي عن «ضريبة الكرامة». تُظهر هذه اللقطة الخلفية كيف تَتوارث العائلةُ أوهامَ العودة و«ذكاء» الاندماج، وكيف تتراكم القرارات الصغيرة لتصنع قدرا لا فكاكَ منه؛ فيتكرّر السؤال على لسان الابن: «أنا في بلدٍ لي وليس لي». بذلك يتحوّل الماضي إلى مرآةٍ تُبرّر الحاضر وتُدينُه معا.

لغة الجاسم مشحونةٌ بالصور الحسية: غبارٌ يبتلع الأفق، صفيرُ شبابيك، رائحةُ زيتونٍ مقطوع، خبزٌ يتفتّت بين الأصابع، ومطارٌ تفوح منه «رائحة الحرب». ليست هذه محض زخارف؛ إنها مادةٌ سرديةٌ تُثبت الجسد في الرواية: جسدُ المهانة حين يُبطَح على الأرض، وجسدُ الأمّ المُثقل بذكرى الفقد، وجسدُ الحبيبَين وهما يتنفّسان عبر هواتف محمولة وأبوابٍ نصفَ موصدة. يتقاطع الوصف مع تأملاتٍ مباشرةٍ تتقصّى معنى الانتماء: «مواطنٌ بلا وطن»، «غربةٌ تُحرِّر من وهم الشعارات». بهذا المزج بين المشهديّ والتفكيريّ يظلّ السرد قابضا على توتره الداخلي حتى في مقاطع الاستطراد.
دراميّا، تُصعِّد الرواية مآزقها عبر سلسلة «العقبات»: مراقبةٌ أمنية، قيدُ منعٍ من السفر، معاركُ لاسترداد البيت، ومساوماتٌ تُراد لها أن تُكسِر الإرادة. وفي المقابل، يُبقي النص فتحةً على الأفق: خطةُ برلين التي تُلوِّح بقدرة الحُبّ على تحويل الجغرافيا إلى وعدٍ قابلٍ للتجسّد، وإنْ ظلّ هشّا أمام منظومات المنع. لا تُقفل الرواية مساراتها بحلولٍ مُطمئِنة؛ بل تترك القارئ في منطقةٍ حرجةٍ بين الحلم والإكراه، حيث لا ينتهي السؤال: أيُّ مكانٍ يَسَعُ إنسانا خُتم جوازه يوما بـ«خروج بلا عودة»؟ تتفوق «غربة في زمن الخاكي» في ثلاثة مستويات: أولًا، في تشخيصها البارد لآلة القهر من دون خطابيةٍ مباشرة؛ إذ تُري القارئ كيف تتفكّك القيم تحت الضغط وتتحول الكرامة إلى «ترفٍ» إداريٍّ قابل للمقايضة. ثانيا، في بناء شخصية عماد كذاتٍ مُمزَّقة بين حبٍّ يُبرّر الحياة، وحياةٍ لا تترك للحبّ إلا هامشا مُراقَبا. وثالثا، في هندسةٍ سرديةٍ تُوزِّع زوايا النظر بين حاضرٍ ملتهبٍ وماضٍ يؤسِّس للكارثة، فتخصِب الدلالة وتكبح الميل إلى الوعظ. تلك مزايا تُرسِّخ الرواية بوصفها «تأريخا وجدانيا لخيبة جيل»، كما تعرِّف نفسها من الداخل، وتبرع في تحويل «الخاكي» من قماشةٍ إلى مفهومٍ يُقرأ به الإنسان والمكان واللغة جميعا.
باختصار: رواية «غربة في زمن الخاكي»، التي صدرت عن دار سامح للنشر في السويد 2025، نصٌّ مُحكمٌ في لغته، مُقنعٌ في بنائه، قاسٍ في صدقه؛ يضع اليد على جرحٍ عربيٍّ مفتوح من دون أن يُسفِّهه بالشعار، ويمنح القارئ، عبر قصة عماد وأمّه وريم والأب والعمّ، مرآةً يَرى فيها هشاشة العلاقة بين الإنسان ووطنٍ صار اسما آخر للخوف. إنها رواية تُقرأ ببطءٍ وبعينٍ يقظى، لأن كلّ «عقبة» فيها تُعرّي منظومةً كاملةً من الأعذار.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...