عبد القادر الفرساوي
من يقرأ ما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية تحت عنوان: «المغرب، أجواء نهاية عهد لمحمد السادس»، يظن نفسه أمام فصل من رواية مثيرة أكثر من كونه تحقيقا صحفياً. صور متناقضة تُستعرض على شكل مشاهد سينمائية: ملك متعب في صلاة العيد، ثم ملك يقود جيت-سكي على شاطئ البحر. ومن هاتين اللقطتين، تريد الصحيفة إقناع القارئ بأن المغرب يعيش فراغاً في الحكم ويقترب من “نهاية عهد”.
لكن أين الصحافة في هذا؟ وأين المهنية؟
من جسد الملك إلى جسد النص
تعتمد لوموند على تفاصيل سطحية: لون الجلباب، درجة الشحوب، حركة اليد، عصا المشي… وكأن المغرب بلد يُختصر في جسد الملك، بينما يغيب الحديث عن المؤسسات، الاقتصاد، المشاريع الكبرى، والدبلوماسية المتحركة. هذه ليست ملاحظة بريئة، بل اختزال مقصود، يعكس ميلاً إلى صناعة صورة غرائبية ترضي خيال القارئ الغربي أكثر مما تفسر واقع المغرب.
تجاهل الواقع الثقيل
في لحظة تكتب فيها الصحيفة عن “جو نهاية عهد”، كان المغرب:
يدشن أكبر محطة لتحلية المياه في إفريقيا، كاستراتيجية لمواجهة أزمة الندرة.
يرفع ميناء طنجة-المتوسط إلى مصاف أكبر 20 ميناء في العالم.
يوسّع استثمارات الطاقة الشمسية والرياح، ليبقى في طليعة الانتقال الطاقي الإفريقي.
ويُكرّس الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، حيث أعلنت فرنسا رسميا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي في يوليوز 2024.
كل هذا لا مكان له في “التحقيق” الفرنسي. لماذا؟ لأن ذكره يُفشل حبكة “النهاية” التي تريد الصحيفة تسويقها.
ولي العهد… بين التكوين والمؤسسات
تقدم لوموند ولي العهد مولاي الحسن وكأنه مجرد ظل ينتظر “الراية”، بينما الواقع أن الأمير حصل على رتبة كولونيل ماجور، وشارك في استقبال زعماء كبار مثل شي جين بينغ، وظهر في افتتاح مشاريع استراتيجية. إنها
خطوات مدروسة في إطار تقليد مؤسساتي قديم. لكن الصحيفة تفضل تصوير الأمر كلغز غامض يثير القلق، لأن الإثارة تُباع أكثر من الحقيقة.
إخوة الزعيتر… “راسبوتين” على الطريقة الفرنسية
تعود الصحيفة لتكرار قصة “الإخوة زعيتر” وكأنها مفتاح فهم السلطة في المغرب. حكاية كلاب ضائعة وصور على إنستغرام تتحوّل عند لوموند إلى مؤامرة داخل القصر! هذه ليست صحافة، بل تسلية سياسية. الأغرب أن الإعلام المغربي نفسه سبق أن ناقش هذا الملف وحذر من المبالغة فيه، لكن لوموند أعادت تدويره بلمسة استشراقية: كل ما هو غريب ومثير يصلح دليلاً على انهيار وشيك.
صحافة أم تصفية حسابات؟
السؤال البديهي: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الأسلوب؟
عندما نضع النص في سياقه، نرى بوضوح أنه ينسجم مع خطاب جهات معروفة بعدائها للمغرب: الجزائر التي تصرف الملايين على اللوبيات في باريس وبروكسل، وجنوب إفريقيا التي تصطف مع خصوم المغرب في ملف الصحراء، ومعهم تونس التي تماهت في الآونة الأخيرة مع هذه الجوقة.
فهل تكتب لوموند “تحقيقاتها” بمهنية، أم أنها تعيد إنتاج رواية تُموَّل من خصوم المغرب؟ سؤال مشروع، يفرض نفسه كلما قرأنا هذا النوع من المواد.
المغرب ليس لغزاً
المغرب ليس لغزا، ولا يمكن اختزاله في صورة ملك على جيت-سكي أو في عصا يتكئ عليها. المغرب هو دولة تتحرك وسط أزمات اجتماعية واقتصادية حقيقية، لكنه يفتح في الوقت نفسه أوراش الماء والطاقة والدبلوماسية الإقليمية. المغاربة يعرفون صعوباتهم، ويحتاجون نقدا صريحا وبنّاءً، لا رواية مثيرة تصاغ في باريس وتُسَوَّق كصحافة استقصائية.
لوموند لم تقدّم تحقيقا، بل حبكة روائية مشوقة. أرادت أن تبيع للقارئ الفرنسي صورة “الملك المريض” و“المغرب الغامض”، لكنها وقعت في فخ التحيز والانتقائية. لذلك يظل السؤال معلقا: من المستفيد من صناعة هذا “اللغز”؟ هل هي مجرد نزعة استشراقية قديمة، أم أن هناك من يدفع، من الجزائر أو جنوب إفريقيا أو تونس، كي يُسوَّق هذا الخطاب في الصحافة الفرنسية؟





