عنصرية بأخطاء إملائية

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

في امليلية المحتلة، استفاق مسجد “الحبوس” على إهانة جديدة. جدار أبيض، يفترض أن يكون شاهدا على السكينة والعبادة، سُوّد بعبارة ركيكة: “esto es espana, fuera marrwuecos”. أراد كاتبها أن يثبت إسبانية المكان، فإذا به يفضح جهلا مضاعفا: جهلا باللغة، وجهلا بالتاريخ. وأول ما يلفت النظر هو الأخطاء الفادحة، إذ كتب كلمة España أولاً بحرف صغير e بدل الكبير E، مع أن أسماء الدول تُكتب دوماً بحروف كبيرة احتراما لها. ثم زاد الطين بلة بإسقاط virgulilla (~) عن الـ ñ، فحوّل “España” إلى “espana”، كلمة بلا معنى، كأنها بلد مبتور من اسمه الرسمي. هكذا حاول أن يرفع شأن بلده بعبارة عنصرية، فإذا به يهينه أولاً قبل أن يطعن في المغرب. أما

Marruecos فقد تحولت إلى مسخ لفظي: “Marrwuecos”، خليط من حروف متعثرة، أشبه بصرخة فاقدة للنطق. كيف لعاقل أن يتوهم طرد أمة من فضاء، وهو عاجز حتى عن كتابة اسمها صحيحا؟
وليس هذا أول عبث من هذا النوع؛ فقد سبق أن تلطخت جدران مساجد في سبتة المحتلة بعبارات مشابهة، وظهرت على أبواب محلات المهاجرين في جنوب إسبانيا كتابات لا تقل سطحية ولا جهلاً، وكأنما من يكتب الكراهية يفقد في اللحظة نفسها معجم اللغة. والمفارقة أن هذا المسجد نفسه كان موضوع مشروع مغربي لإعادة تأهيله وتحويله إلى مركز إسلامي كبير، باستثمار يناهز ثمانية ملايين يورو. مشروع يحمل روح البناء، يحافظ على جدار خارجي مصنف ضمن التراث التاريخي، بينما يعيد الحياة إلى الداخل، في مقابل من يظن أن دهانا أسود على الجدار قادر على إيقاف عجلة التاريخ. أي مقارنة بين من يبني بالحجر ومن يخرب بالحبر؟
والحادثة لا تنفصل عن سياق سياسي يلهب الكراهية، إذ جعل حزب “فوكس” اليميني المتطرف من مهاجمة المغرب والمهاجرين سلعة انتخابية مربحة، فانتقلت العدوى إلى الشارع. وهنا تكمن خطورة الأمر: أن يتحول التحريض السياسي إلى ممارسة يومية على الجدران. لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك: من يعجز عن كتابة كلمة Marruecos، سيعجز أيضا عن صياغة مشروع بديل أو تقديم رؤية للعالم.

وأتذكر هنا زميلة إسبانية في العمل، كانت تحظى بنصيب لا بأس به من الجمال، وتتفنن في ارتداء ماركات الملابس وتنسيق الألوان والعطور، بحيث تدخل المكتب وكأنها لوحة أنيقة متحركة. ذكرتُ مرة كلمة “فلسطين” فسألتْ أمام الزملاء الآخرين: و ما فلسطين؟ نظرت اليها و بادرتها مازحا: “فلسطين؟ ألا تعرفينها؟ إنها أكلة شرقية مشهورة”.فما كان منها إلا أن أجابت بكل بساطة، ووجنتاها محمرّتان لا من خجلٍ: «ربما جربتها يوما ما، لكنني كنت جاهلة باسمها».
لم يكن جوابها سوى مرآة لسطحيتها الثقافية؛ جمال خارجي متقن، في مقابل فراغ داخلي صادم.

وتعود الحكاية اليوم مع من يكتب على جدران امليلية، بعقلية لا تختلف كثيرا: يجهل الكلمة، فيشوهها، ثم يظن أنه أصاب المعنى.
الجدران تنظف، والطلاء يزيل السواد، لكن الغبار الحقيقي يظل عالقا في العقول الفارغة. امليلية المحتلة تظل شاهدا على حضور المغرب بتاريخ ضارب في القدم، فيما يبقى صاحب العبارة شاهدا على جهله. أي رسالة سياسية تُؤخذ ممن لم يحسن حتى كتابة اسم بلده: كتب España بحرف صغير وبدون virgulilla، وكتب Marruecos مشوها؟ إنها ليست طعنة في المغرب فقط، بل طعنة في قواعد الإملاء الإسباني، وفي ذكاء صاحب البخاخ. وأما المغرب، فحضارته أكبر من أن يهزها خطأ نحوي على جدار مسجد

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...