رحيل أحمد الزفزافي.. حين يودّع الأب الوطن دون أن يعانق ابنه الحرية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

 

في لحظة لا تخلو من الرمزية، وفي صمت يُشبه صبر الجبال، غادر أحمد الزفزافي الحياة يوم الأربعاء، بعد سنوات قضاها في ظل نضال إنساني أبوي، عميق، وصامت، دفاعًا عن ابنه ناصر، وباقي معتقلي “حراك الريف”. رحل الرجل الذي جسّد في وجدان كثيرين صورة “الأب الذي لم ينكسر”، تاركًا خلفه سيرة نضال مدني، كانت تُمارَس بالكلمة، بالصبر، وبالكرامة.

لم يكن أحمد الزفزافي مجرد والد سجين، بل أصبح مع مرور الوقت صوتًا مدنيًا هادئًا ومثابرًا، لا يرفع الشعارات العالية، لكنه يُعبّر عن خيبة مناطق بأكملها، ظلت لعقود تتطلع للعدالة الاجتماعية، وتطالب بحقوق لم تكن يومًا ترفًا.

منذ اندلاع حراك الريف سنة 2016، عقب وفاة محسن فكري في حادث أليم هزّ الضمير الجماعي، برز ناصر الزفزافي كوجه قيادي لشباب يطالب بالكرامة، التعليم، الصحة، والبنية التحتية. ومع دخول ملف الحراك نفقًا معقدًا، واعتقال العشرات، تحوّل صوت الأب أحمد إلى ضمير حيّ ينقل أنين العائلات وآمالها، دون أن يفقد اتزانه أو إنسانيته.

وفاة أحمد الزفزافي، في هذا التوقيت بالذات، تعيد إلى الواجهة قضية ما تزال مفتوحة، إنسانيًا وسياسيًا. فأن يرحل الأب دون أن يعانق ابنه الحرية، هو أمرٌ يثقل الوجدان الجماعي، ويطرح مجددًا سؤال المصالحة: هل يمكن أن تتأخر العدالة إلى هذا الحد؟ وهل يمكن لحالة كهذه أن تُنسى دون مراجعة تاريخية حقيقية؟

رحيله ليس حدثًا عابرًا. إنه تذكير بملف طال أمده، وبجراح لم تندمل، رغم مرور تسع سنوات على انطلاق الحراك. فما زال عدد من المعتقلين، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، يقضون أحكامًا قاسية خلف القضبان، في حين تتجدد الدعوات من هيئات حقوقية وطنية ودولية لإعادة النظر في الملف، وفتح صفحة جديدة مع المناطق المهمشة بجهة الشمال تحديدا بالريف.

منذ بدايته، لم يكن “حراك الريف” مجرد احتجاج محلي، بل كان مرآة لانتظارات فئات واسعة من المجتمع المغربي، وآمال في تنمية عادلة وتوزيع منصف للثروات والخدمات. ورغم الطابع السلمي لغالبية الاحتجاجات، فإن المقاربة الأمنية طغت على المعالجة، لتتولد قطيعة نفسية بين الدولة وأبناء المنطقة، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى جبر ضرر رمزي وإنساني.

وفاة أحمد الزفزافي قد تُشكّل لحظة لإعادة التفكير، لا من باب المجاملة السياسية، بل من باب الإنصاف الوطني. فرجالٌ مثل أحمد لا يرحلون فعلاً، بل يتركون وراءهم أسئلة مفتوحة، ومسؤوليات ثقيلة، تتجاوز العائلة إلى الدولة والمجتمع.

حين يغيب صوت الأب، تبقى الكلمة عند من بيدهم القرار. وربما يكون من الأجدى أن لا تُقابل هذه الوفاة بالصمت الرسمي، بل بأن تكون مناسبة لاستحضار الحكمة والمسؤولية السياسية والإنسانية.
فمصالحة الريف، ومثلها باقي الجهات بالمغرب التي تحمل إرثًا من التهميش، لا تكون فقط بالتنمية المادية، بل أيضًا بإعادة بناء الثقة والمصالحة مع الذاكرة والكرامة.

رحم الله أحمد الزفزافي،
وأطال الله في صبر كل أب وأم يعيشون فصولًا من الفقد الصامت في انتظار عدالة مؤجلة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...