حوار مع الفاعل الجمعوي أحمد المسفير: مغاربة العالم شركاء في التنمية وسفراء للدبلوماسية الموازية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

اجرى الحوار عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

بين عُمق التخصص الأكاديمي الرصين وشغف العمل الميداني الدؤوب، يبرز اسم السيد أحمد المسفير من ضمن أبرز الكفاءات المغربية المرموقة في بلدان المهجر والذين يحملون وطنهم في قلوبهم أينما ارتحلوا. فهو ليس مجرد أخصائي في علم الاجتماع ومستشار اجتماعي يفكك الظواهر ويحلل التحديات بل هو فاعل حقيقي على أرض الواقع يقود المركز المغربي للرعاية الاجتماعية بالمملكة المتحدة بليستر ليكون حصناً وموجهاً لأبناء الجالية ويتولى تنسيق الاتحاد العالمي لمغاربة المهجر برؤية استراتيجية تجمع الشتات وتوحد الجهود.

تتميز مسيرة السيد المسفير بتعدد أبعادها وتكاملها حيث تلتقي فيها روح المدافع الصلب عن حقوق الإنسان بحنكة الفاعل المدني في الدبلوماسية الموازية والديمقراطية التشاركية إلى جانب فكره المقاولاتي كمستثمر يؤمن بأن التنمية الحقيقية هي التي تربط الاقتصاد بالمسؤولية الاجتماعية. يتنقل بين عواصم ومراكز حيوية كليستر وروما والدار البيضاء متسلحاً بخلفية ثقافية ولغوية خماسية الأبعاد تجعل منه نموذجاً حياً للمواطن العالمي المعتز بجذوره المغربية والأمازيغية.

إنه جسر حي يربط بين ضفتين ويسعى جاداً لترسيخ قيم المواطنة والتعايش وجعل مغاربة العالم شريكاً أساسياً لا غنى عنه في مسيرة التنمية الوطنية. يسعدنا جداً ويشرفنا أن نستضيفه اليوم في هذا الحوار الشامل لنبحر معه في تفاصيل رؤيته ونستكشف أفكاره حول قضايا الهجرة الاندماج الاستثمار ومستقبل الأجيال الصاعدة في بلاد الاغتراب.

والآن، أترككم مع نص هذا الحوار الشيق مع ضيفنا الكريم السيد أحمد المسفير الذي يفتح لنا صفحات من مسيرته وتجربته، ويشاركنا أفكاره ورؤيته بكل صراحة وعمق. أتمنى لكم قراءة ممتعة ومثمرة.

1. عشت فترات مهمة من حياتك في إيطاليا قبل الانتقال للاستقرار في إنجلترا. كيف تصف لنا ظروف ومحفزات هجرتك الأولى إلى إيطاليا؟ وما هي أهم الفترات والمحطات التي ما زالت محفورة في ذاكرتك هناك؟

كانت هجرتي إلى إيطاليا تجربة إنسانية قبل أن تكون انتقالاً جغرافياً. فقد دفعتني الرغبة في البحث عن آفاق جديدة للتكوين والعمل، شأن كثير من الشباب المغاربة الذين حملوا معهم أحلاماً كبيرة وإيماناً بأن الهجرة ليست فقط وسيلة لتحسين الوضع الاقتصادي، بل فرصة لاكتساب الخبرة والانفتاح على ثقافات مختلفة.

إيطاليا شكلت بالنسبة لي مدرسة حقيقية في الحياة، تعلمت فيها قيمة الصبر والاجتهاد والاندماج الإيجابي، كما عايشت عن قرب التحديات التي تواجه الجالية المغربية، مما عزز اهتمامي بالعمل الاجتماعي والجمعوي. ومن أبرز المحطات التي بقيت راسخة في ذاكرتي مشاركتي في تأسيس مبادرات لخدمة الجالية والدفاع عن حقوقها، وهي تجارب ساهمت في تشكيل رؤيتي الحالية.

2. تقيم وتعمل حالياً في إنجلترا؛ كيف تصف لنا العيش هناك في ظل بيئة وثقافة ونظام مختلف تماماً عن التجربة التي عشتها في إيطاليا؟

لكل بلد خصوصيته. بريطانيا تتميز بمؤسسات قوية وتقاليد راسخة في العمل المدني والتطوعي، إضافة إلى بيئة تشجع على المبادرة واحترام التنوع الثقافي والديني.

الانتقال من إيطاليا إلى بريطانيا لم يكن مجرد تغيير في مكان الإقامة، بل كان انتقالاً إلى تجربة مختلفة في طريقة إدارة المؤسسات والخدمات الاجتماعية، وهو ما أتاح لي تطوير عملي في مجال الرعاية الاجتماعية وخدمة أفراد الجالية المغربية والعربية.

3. بصفتكم أخصائياً في علم الاجتماع، كيف ساعدكم هذا التخصص في فهم واقع الجالية المغربية؟

علم الاجتماع منحني أدوات علمية لتحليل الظواهر الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة. فالهجرة ليست مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل هي عملية معقدة تمس الهوية والانتماء والأسرة والتعليم وسوق العمل.

هذا التخصص ساعدني على فهم احتياجات الجالية، خاصة الشباب والأسر، كما مكنني من تصميم برامج اجتماعية تراعي الواقع الحقيقي للمهاجرين وتسهم في تعزيز اندماجهم الإيجابي دون التفريط في هويتهم المغربية.

4. كيف تقيم مسار العمل الجمعوي للجالية المغربية بإيطاليا؟

حقق العمل الجمعوي بإيطاليا إنجازات مهمة، أبرزها المحافظة على الهوية المغربية، وتنظيم الأنشطة الثقافية والدينية، والدفاع عن حقوق أفراد الجالية، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات الإيطالية.

لكن في المقابل، ما زالت هناك تحديات، منها ضعف التنسيق بين الجمعيات، وغياب رؤية استراتيجية موحدة، إضافة إلى محدودية الموارد البشرية والمالية، وهو ما يستدعي الانتقال من العمل الموسمي إلى العمل المؤسساتي المستدام.

5. كيف تقرأ واقع المساجد والعمل الإسلامي بإيطاليا؟

المساجد تؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية الدينية وتعزيز قيم الاعتدال، لكنها تواجه تحديات مرتبطة بالإمكانات المحدودة واختلاف الخلفيات الثقافية للمصلين.

أما بالنسبة للشباب الذين ولدوا في إيطاليا، فإن الخطاب الديني ينبغي أن يكون قريباً من واقعهم، وأن يقدم الإسلام بلغة يفهمونها، مع التركيز على قيم المواطنة والتعايش والنجاح في المجتمع، بعيداً عن كل أشكال التطرف والانغلاق.

6. ما أبرز الملفات الاجتماعية التي تواجه مغاربة بريطانيا اليوم؟

من خلال عملي بالمركز المغربي للرعاية الاجتماعية، نلاحظ أن أبرز التحديات تتمثل في الصحة النفسية، والمشكلات الأسرية، واندماج الشباب، ورعاية كبار السن، إضافة إلى التوجيه القانوني والاجتماعي للمهاجرين الجدد.

ويعمل المركز على تقديم خدمات الاستشارة، والمرافقة الاجتماعية، وتنظيم برامج للتوعية والدعم، مع التعاون مع المؤسسات البريطانية والمغربية خدمةً للجالية.

7. كيف يمكن لمغاربة العالم أن يكونوا سفراء للدبلوماسية الموازية؟

مغاربة العالم يمثلون قوة استراتيجية للمغرب، ويمكنهم الدفاع عن القضايا الوطنية من خلال نجاحهم المهني، وانخراطهم في المجتمع المدني، وبناء علاقات مع المؤسسات السياسية والإعلامية والأكاديمية في بلدان الإقامة.

الدبلوماسية الموازية لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة، وهي مسؤولية مشتركة بين الدولة والجالية ومؤسسات المجتمع المدني.

8. كيف تقيم أداء الدبلوماسية المغربية تجاه الجالية؟

شهدت الخدمات القنصلية خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، وهناك مجهودات مهمة استجابة للتوجيهات الملكية.

ومع ذلك، ما زالت بعض الإكراهات قائمة، مثل بطء بعض الإجراءات الإدارية والحاجة إلى مزيد من الرقمنة وتحسين التواصل مع أفراد الجالية. المطلوب هو تطوير الخدمات بشكل مستمر وجعل المواطن في صلب الاهتمام.

9. كيف تنظر إلى ملف المشاركة السياسية لمغاربة العالم؟

الدستور المغربي منح مغاربة العالم مكانة مهمة، لكن التحدي يكمن في تفعيل هذه الحقوق على أرض الواقع.

أعتقد أن إشراك الكفاءات المغربية بالخارج في المؤسسات الاستشارية والهيئات المنتخبة، وإيجاد آليات عملية لتمثيلهم السياسي، سيعزز ارتباطهم بوطنهم ويسهم في الاستفادة من خبراتهم في خدمة التنمية الوطنية.

10. كيف نحافظ على الهوية المغربية لدى الأجيال الجديدة؟

الحفاظ على الهوية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والجمعيات والمؤسسات الرسمية.

ينبغي الاستثمار في تعليم اللغة العربية والأمازيغية، وتعريف الأبناء بتاريخ المغرب وثقافته، وتنظيم أنشطة ثقافية ورياضية وفنية تعزز شعورهم بالانتماء، مع احترام خصوصية المجتمعات التي يعيشون فيها.

11. كيف ترون فرص الاستثمار في المغرب بالنسبة لمغاربة الخارج؟

المغرب يشهد إصلاحات مهمة لتحسين مناخ الاستثمار، وهناك فرص واعدة في مجالات الصناعة، والسياحة، والفلاحة، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة.

رسالتي إلى المستثمرين الشباب من أبناء الجالية هي أن ينظروا إلى الاستثمار في المغرب كشراكة طويلة الأمد، وأن يعتمدوا على دراسات جدوى دقيقة، ويستفيدوا من البرامج الحكومية الداعمة للمقاولات.

12. ما هي رسالتكم للفاعلين الجمعويين وللشباب المهاجر؟ وما خارطة الطريق لتطوير العلاقة بين المغرب وجاليته؟

رسالتي للفاعلين الجمعويين هي أن يجعلوا المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وأن يعملوا بروح التعاون والتكامل بعيداً عن الخلافات الشخصية، لأن قوة المجتمع المدني تكمن في وحدته.

أما للشباب، فأقول لهم: اجعلوا الهجرة فرصة للعلم والعمل والإبداع، واحرصوا على احترام قوانين بلدان الإقامة، مع الحفاظ على ارتباطكم بهويتكم المغربية وقيمكم الأصيلة.

وأرى أن خارطة الطريق لتطوير العلاقة بين المغرب ومغاربة العالم تقوم على خمسة محاور أساسية:

1. تعزيز التواصل الدائم بين المؤسسات والجالية.
2. إشراك الكفاءات المغربية بالخارج في رسم السياسات العمومية.
3. تطوير الخدمات القنصلية ورقمنتها.
4. تشجيع الاستثمار ونقل الخبرات والكفاءات.
5. دعم العمل الجمعوي الجاد باعتباره شريكاً أساسياً في التنمية والدبلوماسية الموازية.

وفي الختام، أؤكد أن مغاربة العالم ليسوا مجرد جالية تعيش خارج الوطن، بل هم امتداد طبيعي للمغرب، ورصيد بشري واستراتيجي كبير. وإذا أحسنّا توظيف هذه الطاقات والكفاءات، فستكون رافعة حقيقية للتنمية، وجسراً متيناً لتعزيز صورة المملكة والدفاع عن مصالحها في مختلف أنحاء العالم

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...