عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في لحظة تجمع بين الحداثة والوجدان الوطني، شهد افتتاح ملعب الأمير مولاي عبد الله المُعاد بناؤه في الرباط حضورًا غير اعتيادي لدبلوماسية الرموز: توقّف وليّ العهد الأمير مولاي الحسن أمام العمال الذين أسهموا في بناء المشروع، ووجّه إليهم تحية تقدير حارّة، فتجاوز بذلك سقف الحدث الرسمي نحو مشهد إنساني عميق.
لم يكن الهدف من حضور الأمير مولاي الحسن هو مجرد تدشين منشأة رياضية متطوّرة، بقدر ما كان استحضار الرمز الحقيقي وراء الإنجاز: الإنسان. السلام الذي وجهه إلى العمال – دون صخب أو بروتوكولات – عبر عن فلسفة وطنية رصينة؛ مفادها أن كل قطرة عرق، وكل قلب صدق، أثرا هذا الوطن واستحقوا الاعتراف والاحترام.
هذا الصرح ليس بناءً هندسياً فقط، بل هو رمز للمغرب الذي يستثمر في الإنسان بقدر ما يستثمر في الحجر. بفضل تقنيات حديثة وسعة ضخمة تتجاوز 68 ألف مقعد، إلى مرافق متعددة تلبي معايير المستقبل الرياضي، فإن الملعب يوفّر صورة المغرب الطموح والريادي. لكن الأهم هو أن هذه البصمة التكنولوجية ليست أكبر من بشرَته؛ أولئك الذين وضعوا الحجر قبل أن يركّبوه.
لحظة التحية الملكية لم تقتصر على العاملين في الورش فحسب، بل كانت تكريمًا لكل مَنْ يؤمن بالعمل كمعيار للكرامة والانتماء. وهي رسالة وطنية توحي بأن الجيل الجديد – المكون من الشباب والمثابرين – ليس خلف الكواليس، بل في الصف الأول من بناء هذا الوطن.
لم يفتتح ملعب فقط، بل انطلقت رسالة خفيّة؛ أن المغرب يقيم إنجازاته على قاعدة ثابتة: “أن تجعل الوطن يعطي لمن يعطيه”. هي لحظة تزرع الأمل في النفوس، وترسّخ أن تقدير الجهد ليس ترفًا، بل عنصر لبناء معنوي لا يقل أهمية عن البنية التحتية نفسها.
في هذا الاحتفاء، يستبقي المغرب أمله وأصالته: أوّل إنجازاته هو أن يعرف أن الأشخاص، الذين عافوا التعب وسكنوا الحلم، هم أولى بأن يُرفَع لهم الستار، وأن يُعاد لهم بعض من الكرامة الرمزية اليومية.
وفي هذا البناء المعاصر، تأبى يدا المستقبل أن تُرهق دون وجود قلب يعتني بها، وبذلك يصبح المواطن، في كل مرحلتي التشييد والبناء، هو الأساس الحقيقي لمغرب يقوى بصموده، ويزدهر بروحه.





