عبد القادر الفرساوي
يبدو أن حرية الصحافة في بلادنا قد تحولت إلى مريض مسكين، جالس على سرير أبيض في غرفة باردة، تحيط به الوفود الوزارية حاملة مشرط “إعادة التنظيم”. الطبيب هنا ليس بطبيب، بل سياسي يرتدي وزرة بيضاء ويصر على أن يجرب أول عملية جراحية له في تاريخ المهنة، فوق جسد الصحافة نفسها، من دون تخدير ولا حتى استشارة طبيب مختص.
الحكومة، كما جاء في البلاغ، «تستمر في حرق المراحل لفرض المشروع». وما أجمل هذا التعبير! كأننا في سباق سيارات غير مرخص، لا إشارات مرور ولا احترام للأولويات. الوزير
يقود بسرعة جنونية نحو مجلس المستشارين، تاركاً وراءه أصوات الصحافيين والنقابيين والحقوقيين تتطاير في الهواء مثل أوراق جريدة لم تبع.
المشروع 25-26، تقول النقابات، «يشكل انتهاكاً صارخا لمبدأ التنظيم الذاتي وفلسفته كما هو منصوص عليه في الدستور». أي أننا أمام وصفة جديدة: إعادة تنظيم على المقاس، تفصيل بدلة خاصة للوزير، بينما يُترك الجسم الصحافي عاريا في مهب الريح.
لكن لنتذكر: هذه ليست السقطة الأولى. كم من صحيفة حوصرت بالإعلانات العمومية حتى لفظت أنفاسها. كم من صحافي جرجر إلى المحاكم بتهم غريبة، لا لشيء سوى أنه تجرأ على قول “لا”. وكم من تقارير دولية وصفت المغرب بأنه بلد “مقلق” لحرية الصحافة، بينما كانت بياناتنا الرسمية تغني: “كل شيء بخير”.
ومع ذلك، يظل الجسم الصحافي عنيدا. البلاغ نفسه يؤكد: «إنها مستمرة في التنسيق والعمل المشترك فيما بينها، وتواصل التمسك بمواقفها المعلنة». وكأنها تقول للوزير: قد تمرر القوانين، لكنك لن تمرر الصمت.
الوزير يريد مجلسا وطنيا للصحافة على شكل قطة منزلية مدللة، لا تخدش ولا تموء إلا عند الطلب. أما الصحافيون، فيريدون مجلسا يشبههم: مشاغبا، صاخبا، لا يتوقف عن طرح الأسئلة المزعجة. وبين القط والسياسي، يبقى القلم عصيا على الترويض.





