الحبيب ناصري
ليس في ثقافتي العائلية، ولا الشعبية المغربية، الخ، شيء اسمه الاحتفال بعيد الميلاد. لم أكن أستحضر تاريخ ميلادي، وهو السابع من شهر شتنبر، إلا بسبب كتابته في وثائقي المدرسية والإدارية. أحيانا، وأنا طفل أو شاب، كنت مضطرا للعودة إلى دفتر الحالة المدنية، بعد موافقة أبي الذي كان يخزنها في صندوق خشبي أحضر، للبحث عن صفحتي، لنقل ما دون فيها من تاريخ ولادة ومكانها. كانت حالة مدنية مثقلة ببقية إخوتي. تواريخ عديدة موجودة في هذه الوثيقة الإدارية العائلية الجماعية التي أنهكتها الأيادي. كل شهور السنة موجودة فيها، وبعضها يتكرر.
طبعا فأنا لست من جيل كان يحتفل بعيد ميلاده. علمونا أن ذلك “حرام”، وفوتوا علينا أكل حلويات هذه المناسبات، بل حتى وإن فعلوا، فكان الاحتفال سيكون بالخبز والشاي والبيض البلدي، وإن كنت محظوظًا، فبمرق ولحم إن تصادف يوم ميلادك بيوم سوق قريتك أو مدينتك. لم أر حلويات عيد الميلاد في ستينيات ولا سبعينيات القرن الماضي. حتى وأنا طالب جامعي، لم أحتفل بعيد ميلادي. علمنا الرفاق أن ذلك من سلوك البورجوازية ( انتحار طبقي)، وهو ما يتنافى مع “تعليمات” الرفيق ماركس، وزد عليه الرفيق لينين. هنا التقى الرفاق مع الفقهاء في “تحريم” مناسبة الاحتفال بعيد الميلاد. طبعا المرجعيات مختلفة، لكنهم التقوا في فكرة المنع.
سنوات مرت، ولم أحتفل بعيد ميلادي إلا بشكل رمزي، وحينما تزوجت ” تمأسس” عائليا الاهتمام بهذا الحدث، خصوصا بعدما “فرخت” أربعة أطفال. هي فرصة بالنسبة لهم لتغيير جو الدراسة بالبيت، لاسيما والسابع من شهر شتنبر كان يتزامن مع دخولهم المدرسي. هي فرصة “لالتهام” حلوى عيد الميلاد، فرصة أيضا لتجمع عائلي حميمي، تذكرك فيه العائلة أنك بدأت “تكبر”، ف”وجب” التقليل من سفريات الثقافة. لحظة للاحتفال بعيد ميلاد أب لم يعش في درب احتفل فيه أقرانه بعيد ميلادهم .
ظهرت الوسائط البصرية الجديدة، وقبل أن تمنحك الحق في تشغيلها، طلبت منا بعض المعلومات. ومن بينها طبعا تاريخ الولادة ومكانه، الخ. لازلت أتذكر أنني كنت صادقا في تقديم تاريخ ميلادي كما هو، وكأنني أمام إدارة تريد تشغيلي أو أمام شرطي بكتب محضر مخالفة قانون ما. فعلا استولت التكنولوجيا على حياتنا. فمن خلال هواتفنا المحمولة، ولا أعرف هل نحن من يحملها أم هي التي تحملنا أم هناك عيون خفية تحملنا معا… أصبحنا مادة تباع وتشترى في أسواق النخاسة التكنولوجية. فكلما حل اليوم السابع من شهر شتنبر، تذكرني إدارة الفايس الإلكترونية، بيوم ميلادي، ويبدأ من لازال ضمن رفاق الأمس، وبعض طلبتي وأصدقائي وأفراد عائلتي في كتابة ؛ joyeux anniversaire أو عيد ميلاد سعيد أو happy birthday، على صفحتي. وهذا يعني أنه لولا هذه التكنولوجيا لكنت قد نسيت يوم ميلادي.
بكل تأكيد كل الذكريات، وكل المناسبات التي تولد الفرح، لاسيما في زمن عولمة، مولدة لاكتئاب تكنولوجي، فهي اليوم جد مرغوب فيها، سواء كانت فردية أو جماعية، فلابد منها لتقوية صلتنا بثقافة الفرح، والاحتفال الجماعي العائلي، وغيره بها.
أن تتذكر يوم ميلادك، يعني أن سنة مضت من عمرك، وأخرى فتحت صفحتها أمامك، لتنجز ما لم تستطع القيام به سابقا، خصوصا حينما يتقدم قطار الحياة، ويقترب من محطة الوصول والتي لا يعرفها غير من خلقك.
نهاية سنة وبداية أخرى، فعل إنساني يشعر به كل من ولد فوق هذه الأرض، وهو يعمق حلمه من أجل أن يرى العالم في حلة إنسانية جميلة دون حروب ولا دمار ولا خراب.
ها هو اليوم السابع من شهر شتنبر قد حل أيها الحبيب … فماذا أنت عازم على فعله خلال سنة جديدة ستتحرك بعد بضع ساعات خصوصا، وفوق مكتبك وبين أحشاء مكتبتك مسودات كتب تنتظر بدورها زمن ولادتها ؟. من ولادتك تولد ولادات آخرى!. عليك أن تطلب الله ليطيل عمرك حتى تولد هذه الولادات فوق بياضها وتطير حرة في سماء الكتابة. فماذا كنت ستفعل في هذه الحياة دون كتابة؟. إنها ما سيتبقى بعد رحيلك… والشاهد على مرورك في عالم يتغير كل رمشة عين بسبب هذه التكنولوجيا “اللعينة” والتي سرقت منا العديد من محطات الفرح…
إيطاليا تلغراف





