إسرائيل والأمن القومي العربي: اختبار مستمر لإرادة الأمة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

د. علي جمعة العبيدي
دبلوماسي ليبي

 

 

من ليبيا إلى قطر، من الدوحة تلك المدينة الهادئة التي احتضنت وما زالت تحتضن العديد من مبادرات الوساطة والسلام من أفغانستان شرقاً إلى أوكرانيا غرباً مروراً بفلسطين، جاء الهجوم الإسرائيلي الأخير الذي استهدف محاولة اغتيال قادة من حركة حماس على الأراضي القطرية ليشكّل سابقة خطيرة لا يمكن وصفها إلا بالمتهورة. القادة كانوا في اجتماع لمناقشة مسألة وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتبادل الأسرى استناداً إلى المبادرة الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا الاعتداء لم ينجح في تحقيق أهدافه، لكنه كشف مرة أخرى صورة إسرائيل ككيان يتصرف بمنطق القوة دون اعتبار لقواعد القانون الدولي، خصوصاً أنه جاء متزامناً مع عمليات عسكرية استهدفت دولاً عربية أخرى كسوريا ولبنان وتونس، ما أظهره في موقع الطرف الذي يوسع دائرة عملياته دون رادع. أما فشل العملية في الدوحة فقد عزز التفافاً عربياً ودولياً داعماً للموقف القطري ورافضاً لهذه الانتهاكات.
هذا الاعتداء يعيد إلى الواجهة مجدداً النقاش حول مفهوم الأمن القومي العربي، الإطار الذي طُرح منذ عقود لحماية المصالح المشتركة للدول العربية، لكنه ظل في كثير من الأحيان بعيداً عن التطبيق العملي. فالعالم العربي اليوم يعيش في منطقة تتقاطع فيها النزاعات الداخلية مع التدخلات الخارجية، مما يجعل الحاجة إلى رؤية عربية مشتركة للأمن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وإذا عدنا إلى البدايات، نجد أن الفكرة ارتبطت بالحلم القومي والوحدة العربية، حيث اعتُبر التعاون العسكري والاقتصادي السبيل لبناء قوة رادعة. غير أن تباين المصالح والانقسامات السياسية جعل كل دولة تبحث عن أمنها بصورة منفردة، فتحوّل المشروع الجماعي إلى شعارات أكثر من كونه واقعاً مؤسساً.
يبقى البعد العسكري ركناً مركزياً في أي تصور للأمن القومي العربي، إذ تُعتبر القوة المسلحة الضمان الأول لحماية السيادة وردع التهديدات. نظرياً، تشكّل الجيوش العربية مجتمعة قوة كبيرة من حيث العدد والعتاد، لكن الواقع يكشف غياب التنسيق وعقيدة قتالية مشتركة، فكل جيش يتحرك وفق أولويات دولته. ولعل تجربة معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950 مثال بارز، إذ لم تُفعَّل في الأزمات الكبرى وظلت محدودة الأثر. وحتى المبادرات اللاحقة لإنشاء قوة عربية مشتركة اصطدمت بتباينات المواقف، ما حال دون تفعيلها على الأرض.
أبرز التهديدات العسكرية للأمن القومي العربي يتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والأراضي العربية، وهو تهديد استراتيجي يمس جوهر الأمن العربي الجماعي. وإلى جانبه، هناك نزاعات حدودية وتدخلات إقليمية ودولية مباشرة في أزمات كاليمن وسوريا وليبيا، وصلت إلى حد الوجود العسكري الأجنبي في بعض الحالات، بما يشكّل تحدياً مباشراً للسيادة الوطنية. ورغم ذلك، أثبتت بعض المجالات أن التعاون ممكن وفعّال، مثل التنسيق الأمني والاستخباراتي في مواجهة الإرهاب، إضافة إلى المناورات المشتركة التي ساهمت في رفع مستوى الجاهزية. غير أن الطموح يتطلب أكثر من تدريبات ظرفية، بل يستدعي صياغة عقيدة أمنية عربية مشتركة تحدد بوضوح طبيعة التهديدات وأولويات الدفاع وكيفية استثمار الموارد بشكل جماعي.
منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، ظل وجودها التهديد الأكثر استمرارية وخطورة على الأمن العربي، ليس فقط لأنه صراع على الأرض، بل لأنه ارتبط بالهوية العربية وبحق الشعب الفلسطيني المشروع في تقرير مصيره. وقد خاضت الدول العربية معها عدة حروب (1948، 1956، 1967، 1973) أظهرت أن التفوق التكنولوجي والدعم الغربي لإسرائيل يمنحها قوة تتجاوز قدرات أي دولة عربية منفردة. وإسرائيل تمتلك اليوم ترسانة عسكرية متطورة تشمل أنظمة دفاع جوي وطائرات حديثة، إضافة إلى قدرات نووية غير معلنة، إلى جانب تحالف استراتيجي راسخ مع الولايات المتحدة يمنحها تفوقاً نوعياً مستمراً.
لكن التهديد الإسرائيلي يتجاوز الجانب العسكري، إذ يمتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية. فاستمرار الاستيطان وغياب حل عادل للقضية الفلسطينية يبقي المنطقة في حالة توتر دائم، بينما تسعى إسرائيل في الوقت نفسه إلى توسيع حضورها عبر اتفاقيات تطبيع وتعاون اقتصادي وأمني مع بعض الدول العربية، وهو ما يثير جدلاً حول تأثيره على فكرة الأمن القومي العربي المشترك. القضية الفلسطينية ستظل في هذا السياق اختباراً لجدية العرب في صياغة رؤية جماعية، لأنها قضية تمس الشرعية الرمزية والسياسية لأي مشروع للأمن العربي.
يمكن القول إن إسرائيل تمثل المعيار الأوضح لمدى جدية العرب في تحويل مفهوم الأمن القومي إلى ممارسة واقعية. فإذا عجزت الدول العربية عن بلورة استراتيجية مشتركة تجاه هذا التحدي المركزي، فسيصعب الحديث عن استعدادها لمواجهة تحديات أخرى لا تقل خطورة مثل الإرهاب، الأزمات الاقتصادية، أو التغير المناخي. لذلك فإن التعامل مع هذا الملف لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل يعكس مدى استعداد الأمة العربية لبناء عقد أمني مشترك.
إن الأمن القومي العربي لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات والخطابات، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية وإرادة جماعية تضع المصلحة المشتركة فوق الحسابات الضيقة. التجارب أثبتت أن الانقسام لا يحمي أحداً، وأن التهديدات العابرة للحدود لا تعترف بحدود الدول. وإذا لم تتحول الفكرة إلى خطة عمل واقعية، سيظل الأمن القومي العربي مجرد عنوان نظري، بينما الواقع يفرض إيقاعاً مختلفاً. لكن في المقابل، فإن اللحظة الراهنة بما تحمله من تحديات يمكن أن تمثل أيضاً فرصة لإعادة صياغة رؤية عربية أكثر واقعية وفاعلية للأمن الجماعي، شرط أن تتوفر الإرادة والقدرة على التوافق.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...