عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
كإعلامي من مغاربة العالم، أتابع باهتمام كل ما يجري في الساحة الدولية وتأثيره على الاستقرار والأمن، لا سيما حينما تُختل الموازين بين الخطاب الرسمي والحقيقة الميدانية.
في الأيام الأخيرة، تضاعفت الأنباء والتقارير التي تشير إلى وجود تنسيق أو علم مسبق من الولايات المتحدة بهجوم إسرائيلي على قيادة حركة حماس داخل قطر. الأمر أثار أسئلة كبيرة: لماذا هذا التضارب في التصريحات؟ وهل ثمة رغبة في تبرير ما يبدو أنه خرق للسيادة القطرية بالأدوات الإعلامية والسياسية؟
مصادر إسرائيلية نقلت أن رئيس وزراء إسرائيل أبلغ الرئيس الأميركي مسبقًا بأن هجومًا سيُشنّ ضد قيادات حماس في قطر.
من جهة أخرى، البيت الأبيض يُصرّ على أنه لم يتم إبلاغه إلا بعد بدء العملية، مما يعني أن الخيارات التي كانت متاحة قد ضاعت الفرصة لاستبعاد الهجوم أو تداركه.
قطر نفت بشدة ما أُشيع عن تلقيها إنذارًا من واشنطن مسبقًا، وأكدت أن الاتصال الذي أُجري جاء بعد سماع دوي الانفجارات.
تتعدّى الأضواء الإعلامية مجرد نقل الخبر؛ ففي كل تأخير أو نفي أو تأكيد، تُرسم صورة الدولة أمام رأي عالمي:
الشرعية الدولية: أي إخلال بسيادة دولة يُعتبر مسألة خطيرة لا تُحلّ بالتبريرات وحدها.
الثقة بين الدول: عندما تُعلن دولة واحدة أنها لم تكن على علم، رغم ما يُنقل من مصادر أخرى، يُصاب جسور الشراكة بالتصدّع.
المساءلة الأخلاقية والسياسية: هل يكفي أن يُقال “لم نُبلغ إلا بعد الحدث” لتبرئة ضمير دولة من تداعيات اختيارات حاسمة؟
الاعتراف الكامل والتوضيح: أن تعلن أمريكا وجود بلاغ مسبق، وتوضّح سبب التأخير في اتخاذ موقف لمنع العملية، إن كان ذلك ممكنًا.
نفي رسمي أو رفض للتهمة: أن تواصل الولايات المتحدة وقطر النفي، وأن يُطرح الأمر كمجرد معلومات مضللة أو جزء من استراتيجية ميديا سياسية.
ردّ قطري رسمي أو دولي: دعوى دبلوماسية، شكوى إلى المنظمات الدولية، أو موقف عربي موحد يطالب بالوضوح والمحاسبة.
إعادة ترتيب تحالفات أمنية: أن يعيد البعض النظر في علاقته مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، إذا ما قُدّرت أن الشراكة لا تحترم سيادة الدول الصغيرة الحليفة.
قطر: يبدو أنها أمام اختبار مزدوج ــ كيف تحمي سيادتها ومكانتها الوسيطة، وكيف ترد بطريقة توازن بين التمسك بالمبادئ والموقع الدبلوماسي.
الولايات المتحدة: تستمع أصوات من داخل إدارة ترامب تُعبِّر عن استياء من القرار، مما قد يضع الإدارة أمام ضرورة مراجعة إما موقفها أو مسؤولياتها تجاه الحلفاء.
إسرائيل: إذا بقي الأمر كهجوم أحادي الجانب مع ضوء أخضر إعلامي مبهم، فإنها تواجه الآن تحدّياً في المصداقية أمام المجتمع الدولي، واتهامًا بأن تعاونها الأمني أو التنسيقي مع الولايات المتحدة يُستخدم لتبرير أعمال دبلوماسية أو عسكرية مثيرة للجدل.
يقع الإعلام هذه الأيام في قلب المعركة ليس فقط لنقل الخبر، بل لتشكيل الرأي العام وتحديد مصداقية الحكومات. حينما تتصادم الحقيقة مع الرواية الرسمية، يصبح “المجهول الزمني” بين علم الدولة وقيامها بالفعل هو ما يُشكّل الفرق بين مشروعية الأفعال ومأساتها.
إذا لم تُوضّح الأمور بشفافية، فإن ما نُدعِي أنه استلام دور الوسيط أو الشريك يُصبح عرضًا رمزيًا يُستغل لتبرير ما لا يُبرّر من تجاوزات. والرأي العام في العالم العربي والإسلامي، والأوساط الدولية، تراقب كل دقيقة، فالأخطاء هنا ليست فردية فحسب، بل لها انعكاسات طويلة.





