ابراهيم جديد .صحفي . باحث في العلوم السياسية .
في النظام السياسي المغربي، تتربع صلاحيات الملك على رأس هرم السلطة، فالحاكم الأعلى هو الذي يرسم إطار العمل المؤسساتي ويحفظ استمرارية الدولة واستقرارها. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بكل إلحاح هو: هل يمتلك الملك الصلاحيات الدستورية لإسقاط الحكومة المغربية؟ وفق دستور المملكة المغربية لسنة 2011، فإن العلاقة بين الملك والحكومة تستند إلى توازن دقيق بين الضمان السياسي لمؤسسات الدولة واحترام الديمقراطية البرلمانية. الفصل 47 من الدستور يوضح بجلاء دور الملك في تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بأغلبية الأصوات في مجلس النواب، وحقه في تعيين أعضاء الحكومة بناءً على اقتراح رئيس الحكومة نفسه. كما أن للملك صلاحية إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة بعد استشارة رئيس الحكومة، لكن الملك لا يمتلك حق إقالة رئيس الحكومة مباشرة أو إسقاط الحكومة بشكل منفرد.

الحكومة تستمد مشروعيتها من البرلمان الذي يمثل إرادة الشعب، وإذا فقدت هذه الشرعية، فإن الدستور يتيح لها الاستقالة أو إسقاطها. ففي حالة استقالة رئيس الحكومة، يؤدي ذلك إلى استقالة الحكومة بأكملها، حيث يمثل هذا تصويتاً غير مباشر للأغلبية البرلمانية على عدم ثقتها بالحكومة القائمة. في السياق ذاته، يملك الملك وفق الفصل 51 سلطة حل البرلمان بعد استشارة الجهات الدستورية المختصة، ما يؤكد أن إسقاط الحكومة يمكن أن يتم بشكل غير مباشر عبر حل البرلمان، نظراً لأن الحكومة تستند في شرعيتها إلى البرلمان. أما الآلية البرلمانية المباشرة لإسقاط الحكومة فتتم عبر ملتمس الرقابة المنصوص عليه في الفصل 105 من الدستور. يتطلب تقديم الملتمس توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب، والانتظار لمدة ثلاثة أيام قبل عرض التصويت عليه، ويستلزم إقراره الحصول على أغلبية أعضاء المجلس المطلقة. إذا تم التصويت بالإيجاب على ملتمس الرقابة، فإن الحكومة تستقيل جماعياً، ما يعكس الرقابة البرلمانية كأداة حقيقية لإسقاط الحكومة، بعيداً عن تدخل الملك المباشر.الملك بوصفه رمز الوحدة الوطنية وأعلى سلطة دستورية، لا يملك إذن صلاحية إسقاط الحكومة مباشرة، وإنما هو “حكم أعلى” يضبط التوازن بين السلط وينظم استمرار الدولة. وصلاحياته في هذا الإطار تقوده إلى التعيين والاستشارة والإعفاء وفق السياق الدستوري، بينما تولى البرلمان الدور الرئيسي في مراقبة الحكومة وإسقاطها عبر إجراءات محددة. هذا الفهم يعكس نضج النظام السياسي المغربي في اعتماد آليات متطورة لتوازن السلط، حيث تضمن الملكية المحافظة على استقرار الدولة، بينما يظل البرلمان السلطة التي تعبر عن الشعب وتراقب الحكومة بحسب قواعد الديمقراطية الدستورية. لذلك يمكن القول إن الملك يتمتع بصلاحيات هامة وحيوية في عملية تأسيس الحكومة والحفاظ على استقرارها، لكنه لا يمكنه إسقاط الحكومة منفرداً. السلطتان التشريعية والتنفيذية مرتبطتان ببعضهما في نظام متوازن تضمنه القوانين الدستورية التي تحكم العلاقة بين الملك والحكومة والبرلمان، في إطار يحمي النظام السياسي من أي تجاذبات مفرطة ويعزز استمرارية الدولة.هذا المقال ينبثق من قراءة معمقة للدستور المغربي وآليات العمل السياسي فيه، ويسلط الضوء على الخط الفاصل بين السلطة الملكية البرلمانية، في ظل دستور 2011 الذي يعتبر حجر الزاوية في الإصلاحات السياسية المغربية الحديثة.





