إدريس عدار
ضاعت الشام !!!
بأسى تحدث محمود العارضة. هذا الرجل لا يمكن التزيُّد عليه. هو الذي قضى أكثر من ثلاثين سنة في زنازين الاحتلال، وكاد يقضي بحثا عن شعاع الحرية. مهندس وبطل “نفق الحرية”. وفي الحكاية نجا من الموت في حادث تحت الأرض وهو يحفر التراب والصخر. عندما وصل إلى القاهرة بعد الإفراج عنه في صفقة المقا.ومة مع الدو التقى ثلاث أطفال. بقي ذاهلا لأنه لم ير أطفالا منذ ثلث قرن.
سأل الأطفال عن أسمائهم. واحدة من بينهم اسمها شام. من إن نطقت بها حتى قال: ضاعت الشام. كررها. ولو أتيحت له الفرصة لكررها مليون مرة مثلما نفعل نحن.
هل توافقه حمــاس على أن الشام ضاعت؟ طبعا لا. لها رأي آخر، صدر عن خالد مشعل، القيادي في الحركة قولا غريبا، الذي قال يوم الثامن من دجنبر “إن تحرر الشعب السوري مبشر لتحرر غزة والقدس وكل فلسطين”، وابتهج كثيرون بسقوط سوريا الأسد واحتفل البعض تحت القصف في القطاع.
فعندما يتحدث البعض عن النصر، فهو مجرد مسامحة في القول. لا أعتقد أن النصر اكتملت شروطه.
قد تعتقد حمــاس أنها انتصرت لأنها تفكر لوحدها ولنفسها (النفس التنظيمية إن جاز التوصيف)، وحتى طوفان الأقصى أطلقته لوحدها، دون استشارة أحد، بل من شدة اعتدادها بالنفس أنها بعد إطلاق المعركة أوصلت إلى السيد الشهيد رسالة مفادها “أن أطلق الحرب الشاملة”.
حركة أعدت للطوفان فترة طويلة تطلب من الآخرين الدخول المعركة بشكل شامل دون أن يكون لهم معرفة بالموضوع ولا هم مستعدون لذلك.
رغم ذلك أطلق السيد الشهيد معركة الإسناد التي التحق بها الباقي. لم تكن معركة الإسناد استجابة للطلب الغريب ولكن تنفيذا “لتكليف شرعي” بتعبير صاحب معركة الإسناد. طبعا لا يفهم الإخوان المسلمون ومن حام حولهم معنى “التكليف الشرعي” وهم لم ينتجوا فقهاء ولكن مجرد خطباء يميلون كل ميل.
وهناك من ساند خارج هذه الدائرة مثل سوريا الأسد، حيث اعترف قادة من المقــاومة أن السلاح ظل يصل إلى هدفه لحظات قبيل تمكين جبهة النصرة من السلطة في دمشق نتيجة ترتيبات كونية.
وما زلنا نذكر أنه بعد خطاب السيد الشهيد، الذي أعلن فيه عن انطلاق معركة الإسناد المكلفة جدا، وبعد أن أبقى كل الخيارات مفتوحة، سخر منه كتبة التنظيم الدولي واعتبر هذا العمل مجرد مناوشات أو ضرب رادارات، وقال مشعل “نشكر الحزب لكن مطلوب منه أكثر”. لم يطلب مشعل شيئا من تركيا.
مطلوب كل شيء من المحور.
ولابد هنا من تحرير مسألة لا ينتبه لها كثيرون. خلال هذه الحرب، وبعيدا عن دائرة القتل والتوحش الصهيوني، الذي نالت منه غزة نصيبا وافرا، فإن دائرة المقاتلة تقول بأن أصعب وأشرس معركة دارت هي معركة الـ66 يوما بجنوب لبنان.
وعلى ذكر الجنوب، فإنه تعرض لاحتلال لبعض مناطقه وقصف ممتد، وضغط محلي وإقليمي ودولي لنزع سلاح الحزب، دون تضامن من حركات التضامن مع غزة.
أؤكد هنا ما قلته سابقا، وهو أن المعركة الأخيرة حققت عنوانا هو “إسرائيل غير الآمنة”، لكن مقابل ذلك حقق نتنياهو كثيرا من أهدافه التي سطّرها في كتابه مكان تحت الشمس وهو “الحدود الأمنية لإسرائيل”.
الحدود الأمنية للكيان مختلفة عن الحدود الجغرافية، فجغرافيا تحافظ تل أبيب على الجولان، لكن منطقة القنيطرة وجبل الشيخ وضواحي دمشق هي الحدود الأمنية، مثلما حققت جزءا منها في كامب ديفيد، ويسعى لتحقيقها في جنوب لبنان وغزة.
وبالتالي الحديث عن النصر مسامحة لغوية فقط، لا تجوز في ظل كل هذه الدماء، التي اعتبرها خالد مشعل خسائر تكتيكية، ولا تجوز في ظل ما خسر المحور.
طبعا حمـــاس لم تخسر ما خسره المحور. ليست معنية بسقوط سوريا الأسد بل تعتبره في طول نضالها، ربما يعود ذلك إلى غياب المشروع الوطني لديها، الذي ترك مكانه للمشروع الأممي الإخواني.
ويبقى السؤال قائما: ما الذي يمنع عقلا من أن تصفق حمــاس لسقوط بغداد وطهران وصنعاء والضاحية؟ هذه العواصم كانت دمشق قطب رحاها، وصفّقت حمــاس لسقوطها بل ساهمت في ذلك.
لهذا هي غير معنية بهذه الخسارة، ومن لا يحسب الخسارة يعد نفسه منتصرا.
كيف يتم الحديث عن نصر والمعركة أسقطت معادلات كبرى وقواعد اشتباك تم بناؤها على مدى سنوات. إعادة بنائها تحتاج وقتا طويلا.
طبعا لا يمكن لوم المقــاومة على فعلها وقد تم حشر غزة في زاوية ضيقة، لكن الدفاع عن المقــاومة لا يعني عدم تقويم فعلها، ومساءلته وهل كان بالإمكان بالتشارك إبداع فعل آخر أو على الأقل رحلة ذهاب بلا عودة، بمعنى من يدخل إلى الداخل يكون استشهاديا ويشتبك بالداخل. هي فقط فرضية حول ما كان يمكن فعله لو كان الفعل “محوريا” وليس “حماسيا”.
سقوط سوريا الأسد. انهيار معادلات وقواعد اشتباك. غموض موقف حمـاس من المحور بعد التصفيق لسقوط سوريا الأسد واستعدادها للصفق الإخواني. كل هذا يشير إلى أن شروط النصر لم تكتمل، لكن غزة صمدت، وهو صمود محسوب لكل واحد في غزة، ولو قبل الغزاويون للتهجير ما كان يتحقق هذا الذي يعتبرونه نصرا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





