محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع.
تفيد النتائج الأولية لانتخابات البرلمان العراقي للعام الجاري (2025) بأن ما حصل ليس انقلاباً على التوازنات القديمة، بل إعادة تثبيت لها في إطار سياسي ما يزال يعكس البنية الطائفية والعرقية، مع بعض التعديلات التكتيكية، فالرابح الأبرز من الاقتراع هو ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السوداني، ما يجعله أكبر كتلة برلمانية، لكنه بعيد عن الأغلبية، ما يتيح مساحات تفاوض وتحالفات.
من جهة القوى الشيعية، تبدو الانتخابات باعتبارها منصّة لتجديد التمثيل أكثر منها لصناعة بدائل، فبحسب مراقبين، حصلت القوائم الشيعية على نحو 187 مقعداً من أصل 329، ما يؤكّد هيمنة هذا المكوّن ضمن البرلمان الجديد. أما القوى المدنية والشبابية، فكانت نتائجها مخيّبة بعد فشل التحالفات المحسوبة على قوى الاحتجاج “تشرين” ومن أبرزها تحالف “البديل” في الحصول على أي مقعد في البرلمان، وحتى حركة الجيل الجديد الكردية، التي يقودها شاسوار عبد الواحد، لا تظهر ضمن الكتل الرابحة الكبرى في النتائج الرسمية أو أولية الأعداد الكبرى، مقارنة بمقاعدها في انتخابات سابقة (في 2021 فازت بـ 9 مقاعد)، إذْ لا يبدو أن هناك اختراقاً كبيراً لصالحها بعد تحقيقها ثلاثة مقاعد، ما يعكس صعوبة تجاوز البنية التقليدية في البرلمان.
على الصعيد السني، برز بشكل واضح تحالف تقدّم بقيادة محمد الحلبوسي، وهو يمثّل التيار السني البراغماتي الأكثر تأثيراً، فقد نال في النتائج الأولية نحو 33 مقعداً، وحلَّ تحالف عزم بقيادة مثنى السامرائي ثانياً بـ 15 مقعداً، كما حقق تحالف السيادة بزعامة خميس الخنجر نحو تسعة مقاعد فقط، ما يجعله لاعباً مهماً لكنه ليس مهيمناً؛ مما يؤكد أن الساحة السنية لم تشهد ثورة جديدة: الحلبوسي يرسّخ موقعه، والخنجر له حضور، والسامرائي يوسع دائرة تأثيره، لكن القوى الإسلامية السنية التقليدية أو الشبابية لم تحظَ بنقلة نوعية كبيرة في هذا الاستحقاق؟
ومن الواضح، كذلك، أنّ القوى السنية الإسلامية، التي كانت في المرحلة الأولى من احتلال العراق، ذات نفوذ في المجتمع السني، أصبحت خارج المعادلة السياسية بصورة جلية وواضحة أو أنها ذابت وتوزعت بين القوى السنية الجديدة، ولم تستطع أن تطوّر خطاباً سياسياً جديداً مقنعاً، بينما نرى البنى العشائرية والمناطقية ذات تأثير أكبر، ويمكن أن نضيف إليها دور الاقتصاديين ورجال الأعمال، إذا اعتبرنا الخنجر ممثلاً لهذه الشريحة أو القوى في المشهد.
أكثر العناصر دلالة غياب التيار الصدري من المشاركة الفعلية، وهو ما يعيد موقعه في المعادلة السياسية إلى ما يشبه “المراقب القوي”: ليس ضمن البرلمان، إنما خارجه، وربما يحتفظ بحقه في العمل السياسي الاحتجاجي، إذا أراد في أي مرحلة من المراحل أن يقلب الأوراق في اللعبة السياسية، ويمكن القول أيضاً إنّ دوره السياسي يتأطر ضمن الحسابات الطبقية والاجتماعية والسياسية داخل الملعب السياسي الشيعي، لكن من دون التأثير على ترجيح كفة المكوّن الشيعي في اللعبة السياسية وخسارة ما حققه بعد احتلال العراق 2003.
من هنا، يمكن القول إنّ غياب الصدر لم يؤثر على شعبية اللعبة السياسية، برغم دعوات المقاطعة، إذ ارتفعت نسبة التصويت إلى 56.11٪ (رغم تحفظ منظمات مراقبة الانتخابات غير الحكومية على طريقة احتساب نسبة الناخبين)، وفق المفوضية العليا للانتخابات، مما يعني أنّ هنالك اعتبارات ومحددات كثيرة تجعل الناخب الشيعي، إن جاز التعبير، لديه خيارات استراتيجية على مستوى اللعبة السياسية بأسرها وخيارات تكتيكية على صعيد المكون الشيعي.
من المتوقّع أن تكثف مفاوضات ما بعد الانتخابات لترتيب “الكتلة الأكبر” لتسمية رئيس وزراء جديد، ويبدو السوداني هو المرشّح الأبرز من بين الأسماء التي قد تُطرح لاحقًا، إذا حصل على تحالف مع الإطار الشيعي والذي أبدى العديد من زعاماته (أهمهم نوري المالكي) رفضًا قاطعًا لطموح السوداني بالولاية الثانية. أمام السوداني في حال نجاحه في تجديد ولايته فرصة لتشكيل حكومة براغماتية، وعلى الأغلب سيكون الخيار الأفضل المتاح حتى على صعيد السياسات الخارجية، فهو ليس الأقرب إلى طهران، لكنه يسمح بإبقاء نفوذها في العراق، ولديه خبرة في التعاون والتنسيق مع الدول العربية وتجنب أزمة كبيرة مع الولايات المتحدة، كما تجلّى خلال المرحلة الأخيرة بعد الحرب على غزّة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





